قاعدة باگرام الافغانیة بين الحسابات الأمريكية والتوازنات الإقليمية

عباس عبد الرزاق

تمثّل قاعدة باغرام الجوية في أفغانستان واحدة من أبرز رموز الحضور العسكري الأمريكي خلال عقدين من الحرب (2001–2021). ومع انسحاب القوات الأمريكية وسيطرة طالبان على البلاد، طُويت صفحة من تاريخها. لكن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة أعادت النقاش حول أهمية القاعدة الاستراتيجية، خصوصًا في ظل التنافس مع الصين وسباق النفوذ في آسيا الوسطى. فهل تعكس الدعوات لاستعادتها واقعية سياسية، أم أنها مجرد ورقة ضغط في لعبة كبرى؟

الأهمية الجغرافية والاستراتيجية

تقع باغرام على بعد نحو 50 كيلومترًا من العاصمة كابُل، وتتمتع ببنية تحتية متطورة: مدرجات طويلة، قدرات لوجستية واسعة، مرافق طبية ومخازن عسكرية. هذا الموقع جعلها مركزًا أساسيًا لعمليات الطيران والاستطلاع والاستخبارات طوال سنوات الحرب.
لكن أهميتها لا تنحصر في أفغانستان فقط؛ فباغرام تقع على مقربة من إقليم شينجيانغ الصيني، حيث تحتفظ بكين بمواقع حساسة نووية وصاروخية. ومن هنا ينظر بعض الاستراتيجيين الأمريكيين إلى القاعدة كـ (عين متقدمة) قرب الحدود الصينية، يمكن أن توفر قدرة مراقبة وتحرك سريعة تجاه أي تهديد إقليمي.

المنظور الأمريكي

منذ الانسحاب الفوضوي عام 2021، واجهت واشنطن انتقادات داخلية بشأن التخلي عن باغرام، باعتبارها ورقة قوة كان يمكن أن تضمن استمرار النفوذ الأمريكي في المنطقة. تصريحات ترامب الأخيرة، التي تحدث فيها عن ضرورة “استعادة” القاعدة، تأتي في سياق:

1- المنافسة مع الصين: باغرام تُعد أداة مراقبة محتملة على النشاطات العسكرية الصينية.
2- مكافحة الإرهاب: استمرار نشاط تنظيم (داعش-خراسان) يجعل من القاعدة موقعًا مثاليًا لأي عمليات أمريكية محتملة.
3- رمزية النفوذ: عودة واشنطن إلى باغرام تعني استعادة صورة الهيمنة بعد الانسحاب الذي وُصف بأنه هزيمة سياسية.

الموقف الأفغاني والإقليمي

من الناحية السياسية، طالبان أعلنت رفضها القاطع لأي وجود عسكري أمريكي جديد. فهي تعتبر القاعدة رمزًا للاحتلال السابق، وإعادتها ستشكل تهديدًا مباشرًا لشرعيتها أمام الداخل.

إقليميًا، الصين وروسيا تراقبان الموضوع بحساسية بالغة. بكين ترى أن عودة القوات الأمريكية إلى حديقتها الخلفية قد تمثل تحديًا لأمنها القومي، فيما تعتبر موسكو الأمر امتدادًا لمحاولات تطويقها في آسيا الوسطى. هذا الرفض الإقليمي يجعل أي خطوة أمريكية لإعادة القاعدة محفوفة بمخاطر كبيرة.

العقبات العملية

إعادة تشغيل باغرام ليست مسألة سياسية فحسب، بل لوجستية وعسكرية معقدة: تحتاج الولايات المتحدة إلى قوة عسكرية كبيرة لتأمين القاعدة. أي اتفاق مع طالبان يبدو شبه مستحيل دون صفقة كبرى (مساعدات اقتصادية أو اعتراف سياسي واسع). وجود أجنبي قد يحول القاعدة إلى هدف دائم لهجمات إرهابية، ما يرفع التكلفة البشرية والمالية.

بين الواقع والمناورة

يمكن قراءة حديث ترامب عن باغرام باعتباره مناورة سياسية أكثر من كونه خطة عسكرية قابلة للتنفيذ. هو يعكس إدراكًا داخل دوائر أمريكية أن الانسحاب من القاعدة كان خسارة استراتيجية في مواجهة الصين. لكن في ظل المعادلات الأفغانية والإقليمية الراهنة، يبدو أن استعادة القاعدة أمر بعيد المنال، إلا إذا حدث تحول جذري في مواقف طالبان أو في توازنات القوى العالمية.

قاعدة باغرام ليست مجرد منشأة عسكرية مهجورة، بل رمز لصراع الإرادات بين الولايات المتحدة وقوى إقليمية كبرى مثل الصين وروسيا. إن التلويح بإعادتها يكشف عن إدراك أمريكي متأخر لأهميتها الاستراتيجية، لكنه في الوقت نفسه يصطدم بواقع معقد من الرفض المحلي والتنافس الدولي. لذلك يمكن القول إن باغرام تحولت من قاعدة عسكرية إلى ورقة في لعبة الجغرافيا السياسية الكبرى، أكثر من كونها مشروعًا قابلاً للتنفيذ في المدى القريب.

قد يعجبك ايضا