ما بين اليوم العالمي للديمقراطية والديمقراطية العراقية المزيفة

نهاد الحديثي

15 ايلول – اليوم العالمي للديمقراطية، بحسب الأمم المتحدة. يتيح اليوم الدولي للديمقراطية فرصة للنظر في حالة الديمقراطية في العالم، (فالديمقراطية عملية بقدر ما هي هدف، ولا يمكن تجسيد مثالها وجعلها واقعا ملموسا ينعم به الجميع في كل مكان إلا من خلال المشاركة الكاملة والدعم الفعّال من المجتمع الدولي والهيئات الوطنية الحاكمة والمجتمع المدني والأفراد) وبهذه المناسبة تحدث الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن شجاعة الناس في كل مكان ممن يصوغون مجتمعاتهم بالحوار والمشاركة والثقة زاعما أن هذه الجهود باتت أوفر إلحاحا من أي وقت مضى في زمن تتعرض فيه الديمقراطية وسيادة القانون لهجمات التضليل والانقسام وتضييق الفضاء المدني.

يقول جورج برنارد شو (الديمقراطية لا تصلح لمجتمع جاهل لأن أغلبية من الحمير ستحدد مصيرك)، ويقول كارل بوبر (يجب حماية الديمقراطية من غير الديمقراطيين)، صوتت الجمعية الوطنية في كرويا الجنوبية، لصالح عزل الرئيس يون سيوك يول بسبب محاولته الفاشلة في فرض الأحكام العرفية، فالظلم مثل الوباء ينتشر بلا تمييز، يلتهم الجميع ثم يلتهم في النهاية أصحابه، في نهاية واحدة وإن تغيرت الصور، مشنقة موسوليني، مهانة شاوشيسكو وسقوط الزعماء العرب في الربيع العربي، المستشارة الالمانية انجيلا ميركل تركت منصبها بعد 16 عاما في قيادة المانيا بكل قوة وازدهار بلا شبهات فساد ولا براتب استثنائي، عادت لبيتها وزوجها ومعها محبة الالمان فيما تم الاعدام بخالدة ضياء رئيسة وزراء بنغلادش لاختلاسها 400 الف دولار، وفي بلدي يسرقون المليارات في وضح النهار وهم سادة السلطة—يا للعجب.

نحن العرب — لا نحب الديمقراطية لأنها لا تنسجم مع طباعنا وعاداتنا. لا نحب الديمقراطية لأنها تطعننا في كبرياء الاستبداد بداخلنا. وفي كل واحد منا مستبد عنيد، 15 سبتمبر، هو اليوم العالمي الثامن للديمقراطية الذي يحتفل به المؤمنون بالحريات العامة والخاصة، وبالتداول السلمي على السلطة، وبأن الحياة تتسع للجميع، ليس فقط للزعيم وحاشيته والمقربين منه والمحسوبين عليه، ومنطقتنا العربية لا نحتاج لا إلى الديمقراطية ولا إلى الديمقراطيين. وإنما نحن بطبيعتنا ميالون إلى الاستبداد، نتعلق بالمستبدين ونبوس أكتافهم وأقدامهم، ونرفع صورهم في منازلنا، وندعو لهم دائما بالصحة والعافية وطول العمر، ولا نترك مناسبة تمر دون أن نترحم على الخالدين من القتلة والسفاحين، فهم بالنسبة إلينا النموذج الرائع والمثل الأعلى والمرجعية التي نستحضر آثارها ونجعل منها تاريخا عظيما يدرسه أبناؤنا، وعقيدة سياسية نؤطّر بها شبابنا عساه يعدنا بنماذج استبدادية قادمة تلعن الديمقراطية الخسيسة وتزج بكل من يزعم أنه ديمقراطي في غياهب السجون ليمنع عن الدولة أذاه وعن المجتمع أفكاره التخريبية.

إذا كان هناك من يدعي أن الديمقراطية تعني الانتخابات الحرة النزيهة، فنحن كعرب، نعرف جيدا كيف نؤثر في نتائج صناديق الاقتراع، وذلك من خلال توجيه نوايا الناخبين بالهدايا والعطايا والوعود والأماني، بالأدعية والخطب وتوزيع مفاتيح الجنة والتذكير بوعيد النار، كذلك بهوياتنا القبلية والعشائرية والمذهبية والطائفية التي تتحكم في خياراتنا. فالانتخابات محرمة شرعا إن لم تكن في الاتجاه الصحيح.

ثم نحن بطبعنا أمة تتباهي بالكسل وتجد متعتها في الخمول، ولا نحب الحركة والنشاط كما تبتغي المجتمعات الديمقراطية، ولذلك فمن الأفضل أن يكون لنا زعيم مدى الحياة نشعر نحوه بالألفة، ونعتاد عليه ويعتاد علينا حتى يحفظ أسماءنا جميعا، ويظهر بين الحين والآخر على شاشة التلفزيون ليخاطبنا وكأنه الوالد ورب الأسرة وشيخ القبيلة ورئيس البلدية.

حتى تلك الدويلة المصطنعة التي يعتبرها الغرب الديمقراطية الوحيدة في منطقتنا، تبين أنها أكثر دكتاتورية من أعتى دكتاتورياتنا، لاسيما عندما يستثمر قادتها دماء الأبرياء للبقاء في السلطة والفرار من العدالة، وعندما يرفضون الاعتراف بالقانون الدولي، وبالقرارات الأممية، ويعلنون أنهم فوق القانون والأخلاق والإنسانية.

نحن لا نحب الديمقراطية لأنها لا تنسجم مع طباعنا وعاداتنا وتقاليدنا ورؤيتنا اليومية، خصوصا وأنها قد تحرمنا من شعورنا بأننا أبناء الزعيم الذي لا مثيل له لا في الشرق ولا في الغرب ولا في الشمال ولا في الجنوب. لا نحب الديمقراطية لأنها تطعننا في كبرياء الاستبداد بداخلنا. وفي كل واحد منا مستبد عنيد.

الديمقراطية التي فرضتها أميركا على النخب الحاكمة في العراق ما هي إلا أضحوكة نتندر بها في مجالسنا فمازالت الدكتاتورية تسيطر على حياتنا ومازالت السلطة تنظر إلى الشعب بعين الريبة والحذر. فشلت النُخب السياسية العراقية في بناء مؤسسات عصرية ونظام ديمقراطي حقيقي يضمن كرامة المواطن العراقي، لا تزال الذاكرة تحتفظ بصور شهداء ساحة التحرير في تظاهرات تشرين 2019 قسوة السلطة في التنكيل بهم من خلال تلك القنابل التي اعترفت حينها منظمات حقوق الإنسان وغيرها بخطورتها.

اصحاب السلطة والجاه يفكرون عكس اتجاه عقارب الساعة، يتمسكون بالمنصب ويخلقون الازمات لأجل ولاية ثالثة. أربعة عشر ألف فاشي من أصحاب القمصان السود قادهم موسوليني سنة 1922 من ميلانو نحو روما بالقطارات والحافلات، رافعا شعار (إما أن تُعطى لنا الحكومة أو سنأخذ حقنا بالمسير إلى روما). وما أشبه بغداد اليوم بروما البارحة، وهناك إمكانية حقيقية للبعض وعلى غرار موسوليني في قيادة مئات الآلاف من البشر لتحقيق مشروع ديني سياسي، أو من قبل ساسة ينظرون إلى السلطة من خلال الديمقراطية الكسيحة رافعين شعار (ما ننطيها) الذي ينسف كل مبادئ الديموقراطية وأسسها ليمضي قدما في مشروعه الفاشي.

صاغت كلمات الفرنسي جان جاك روسو أوروبا منذ عشرات السنين رسمت خريطة طريق لبلدان قررت أن تتقدم، فيما نحن العرب ومنذ عشرات السنين قررنا أن نتفرج ونعيش في سبات تقطعه بين الحين والآخر خطابات لقادة تاريخيين يرفعون شعار (أنا أو الفوضى)، قادة ومسؤولون محملون بأطنان الذرائع وأكوام الخطب، وأعوام سبات في الجهل والتخلّف.

نتعلم من تجارب الأمم أن البلدان لا تزدهر في ظل ساسة يعتقدون أنهم وحدهم يعرفون مصلحة البلاد. فالعدالة الحقة لا مكان لها في ظل رجال يخططون من أجل الوصول إلى درجة من الإيمان بأنه لا خيار أمام الناس سواهم.. لأنهم وحدهم يملكون القوة والحزم، مستبدون يخيفون الناس، لكنهم عادلون في توزيع العطايا والمنح على مقربيهم، وعادلون أيضا في توزيع الظلم على الناس.

الشعوب تعلمت أن لا مكان لسياسي يتحدث وكأنه مبعوث من الله. وبفضل سنوات التشرد التي عاشها روسو وزملاؤه، أدركت هذه الشعوب، أن الحل في دولة مؤسسات يديرها حاكم إنسان وليس نصف إله، يتغير كل فترة لكيلا يتوحد مع كرسيه، ويتصور أنه بطل منقذ.

اكتشف العالم بعد اعترافات روسو أن فكرة دولة الخلاص إنما هي أوهام يصر المستبدون على زرعها في نسيج المجتمع، مستبدون لا تناقشهم الناس ولا تختلف معهم، لكنها تترجاهم وتتوسلهم أن يمنّوا عليها بالرضا ويمنحوها قليلاً من عطاياهم ومكرماتهم.. وأكرر وأتمنى عليكم. إقرأوا روسو ثانية.. فستجدون كيف أن الرجل قبل ثلاثمئة عام حذرنا من سياسي يصر على أن يصبح بطلاً استثنائياً، لا موظفاً يُمنح راتباً من خزانة الدولة، بطل يجرد البلاد من كل مؤسساتها ويحول البرلمان إلى سيرك للتهريج تعرض فيه أحدث الخطب.. يلغي القانون والإعلام.. ويريد من الناس أن يعيشوا في ظل دولة الخوف من المؤامرات.

إننا اليوم بحاجة حقيقية لبناء حركة شعبية واسعة بشعارات وطنية مناهضة للطائفية السياسية والعشائرية والقبلية، حركة شعبية تدعو وتعمل على الإسراع في تغيير شكل نظام الحكم المحاصصاتي القائم اليوم.

قد يعجبك ايضا