بين الغيوم والعواصف… هل تولد شمس جديدة للقضية الكوردية؟

د. ابراهيم احمد سمو

لسنا اليوم بصدد اجترار الماضي بما يحمله من جراح ومرارات لا تعود بالنفع، ولا عن استباق المستقبل بما يخفيه من غيبٍ لا يعلمه إلا الله، بل نحن أمام الحاضر الذي نعيشه ونلمس تفاصيله اليومية. الحاضر وحده هو الذي يمنحنا فرصة إعادة ترتيب الأوراق، واستخلاص الدروس، واستثمار اللحظة إن أحسنا الإمساك بخيوطها. فالحقائق لم تعد طي الكتمان كما كانت، والأوراق باتت مكشوفة على الطاولة، والخيارات واضحة لكل ذي بصر وبصيرة. وإذا ما جاءت الحسابات لصالحنا، فلن تكون هدية أو منّة من أحد، بل استحقاقًا طبيعيًا لنضال طويل وتضحيات جسام قدّمها الشعب الكوردي عبر عقود من القهر والمقاومة.

غير أن ما يبعث على القلق هو أن بعض الأصوات تتعامل مع القضية الكوردية وكأنها مجرّد فرصة عابرة، شبيهة بفرصة العراق حين اجتاح الكويت، فخرج منها بمكاسب مؤقتة سرعان ما تبخّرت. هذا المنطق، الذي يختزل القضية في “غنيمة سياسية”، لا يعدو أن يكون خيانة صريحة لجوهرها. فالقضية ليست سلعة في سوق المصالح، ولا ورقة في مساومات المراحل، بل هي مشروع أمة ووجود وهوية. وأنا – كعبد فقير للحق وكاتب لهذه السطور – لا أرى فيها إلا جوهرًا ساميًا يستحق أن يُصان بالدماء والأرواح، لا أن يُساوَم عليه.

جذور العراق الجديد في التجربة الكوردستانية
العراق الجديد، الذي رُوِّج له بعد 2003، لم يتأسس من فراغ. إنما كان ثمرة التجربة الكوردستانية التي شكّلت حجر الأساس لأول بذور الديمقراطية في تربة قاحلة. يوم كان العراق هشًّا وضعيفًا في بداياته، كان يستجدي الدعم من كوردستان، ويُظهر شيئًا من القبول بها كشريك فعلي في العملية السياسية. لكن ما إن اشتد عوده قليلًا حتى بدأ يبيعنا في أسواق السياسة بثمن بخس، غير عابئ بالشراكة أو الوفاء للعهود. وتكرّرت المواقف التي أثبتت أن الغدر جزء من طبيعة المركز، وأن منطق الهيمنة سرعان ما يطغى متى ما توفرت له الفرصة.

خيانة الداخل… أخطر من مؤامرات الخارج
الأدهى والأمرّ أن بعض أبنائنا – ويا للأسف – مالوا إلى خدمة هذه السياسات الهدّامة. بدلاً من أن يكونوا حماة للقضية، أصبحوا معاول لهدمها من الداخل. لكن، ورغم كل محاولاتهم، لم تنجح خططهم في اقتلاع الجذور. فقد وقف في وجوههم نسور حقيقيون من أبناء كوردستان، واجهوا النيران بأجسادهم، وقدموا أرواحهم فداءً للقضية. نعم، احترقوا، لكنهم أحرقوا معهم كل المحاولات الرامية لطمس الهوية الكوردية. وهكذا ظلّت جذور القضية راسخة في أعماق الأرض، لتعود وتزهر من جديد كلما حاولوا اجتثاثها.

اللحظة الفارقة… بين الإمساك بالفرصة وإضاعتها
ها نحن اليوم نعيش مرحلة فارقة. القضية الكوردية عادت إلى واجهة الأحداث، تتصدر المانشيتات العريضة في الصحف والمراكز البحثية، وتستقطب اهتمام العواصم الكبرى. ومع عودتها، ينبض في شرايينها دم جديد، وتنطلق فيها روح متجددة. لكن السؤال الجوهري: هل سنُحسن هذه المرة الإمساك باللحظة التاريخية؟ أم سنكرر أخطاء الماضي ونتركها تفلت من بين أيدينا؟

إنها لحظة اختبار. فإما أن نبلغ بها المدى ونكتب صفحة جديدة من تاريخنا، أو أن نضيعها كما أضعنا فرصًا سابقة، فنجد أنفسنا في دائرة التيه. وربما، وللإنصاف، قد تكون هذه بالفعل الفرصة الأخيرة، إذا لم نتعامل معها بما يلزم من حذر ودقة وحكمة.

غيوم داكنة فوق سماء المنطقة
المشهد الإقليمي والدولي اليوم معقّد ومليء بالغيوم. غيوم داكنة تتجمع فوق سماء منطقتنا، ولا بد لها أن تمطر. غير أن طبيعة المطر ليست واحدة؛ فقد يكون نارًا تحرق، أو رحمة تسقي وتحيي. نحن، الكورد، نقف في قلب هذا المشهد، وما نختاره اليوم سيحدد إن كنا سنكون من أهل المطر المبارك أم من ضحايا النار المدمرة.

القضية الكوردية… مشروع أمة لا ملف سياسي
القضية الكوردية لم تعد قضية محلية محصورة في جغرافيا ضيقة. إنها قضية أمة بكاملها، ناضلت بصلابة وإصرار لتثبت للعالم أنها تستحق الحرية والحياة. ومع ذلك، فإن أخطر ما يهددها ليس المؤامرات الخارجية وحدها، بل الانقسام الداخلي والتشرذم وفقدان البوصلة. إن انتظارنا “الفرص” بدل صناعتها، والإيمان بأن الربح قد يأتي من ضعف الآخرين لا من قوتنا الذاتية، هو ما يُضعف موقفنا أكثر من أي عامل خارجي.

خرائط جديدة تُرسَم… فهل نُمحى أم نُثبّت؟
العالم من حولنا يعيد رسم خرائطه. في كل خريطة جديدة تُمحى خطوط وتُرسم أخرى. السؤال: هل ستكون خطوطنا من النوع الذي يُمحى بسهولة؟ أم أننا سنثبت حضورنا بخطوط لا يمكن تجاوزها؟ هنا تكمن مسؤوليتنا الكبرى. إن اللحظة الراهنة تفرض علينا أن نكون على قدر التحدي، وأن ندرك أن الخرائط لا تصنعها إلا الشعوب الواعية بمصالحها، القادرة على توحيد كلمتها وتوجيه مسارها.

التاريخ لا يرحم المترددين
لقد آن الأوان لنفهم أن التاريخ لا يرحم المترددين. الفرص لا تتكرر إلى ما لا نهاية، وما نضيّعه اليوم قد لا يعود غدًا. الغيوم التي تملأ الأفق قد تحمل لنا مطرًا يغسل جراحنا، لكنها قد تحمل أيضًا صواعق تمزّقنا. والفرق الوحيد بين النتيجتين يكمن في وعينا ووحدتنا.
نحو لحظة الحقيقة
إننا على موعد مع لحظة الحقيقة. فإما أن نكتبها نحن بأيدينا كأبناء قضية عادلة، نختار طريق الحرية والكرامة، ونصوغ مستقبلنا بإرادتنا، أو تُكتب لنا بمداد الآخرين وفق مصالحهم، وعندها سيكون الثمن فادحًا.

القضية اليوم بين الغيوم والعواصف، تنتظر من يمدّ يده ليجعل منها شمسًا تشرق من جديد على كوردستان. فهل نكون نحن صُنّاع هذه الشمس؟ أم نترك الغيوم تحجب الضوء وتتركنا في عتمة التيه.

قد يعجبك ايضا