د. نزار الربيعي
إن قضية السلام العالمي أصبحت في عالمنا المعاصر من أهم القضايا التي تهم البشرية كلها. فعلى السلام العالمي وتوازن القوى وتحقيق العدل والالتزام بمبادئ العدالة يتوقف مستقبل البشرية، فإن أسلحة الدمار الشامل التي أعدتها القوى العالمية الكبرى تكفي لتدمير الكرة الأرضية عدة مرات.
ويزداد الوضع خطورة عندما نرى بعض المسؤولين وكبار رجال الثقافة والمعرفة في الدول الكبرى يهددون الأمم والحضارات، ويتنبؤون بصدام عالمي بين الحضارات، صدام إذا حدث فسوف يؤدي إلى القضاء على كثير مما حازت عليه البشرية من تقدم ورخاء وعلوم ومعارف منذ ألفين وخمسمائة سنة.
ويبدو كأن مصدر هذه الأفكار المبنية على أسوأ نوع من التشاؤم ومنشأها هو التخوف الإسلامي الذي رفع لواءه بعض المغرضين في العالم الغربي الذين يريدون أن تكون سياسات البلاد الكبرى في الغرب حسب شهواتهم وأغراضهم. وتحاول هذه الأقلية المغرضة أن تلقي العالم كله في الذل والهوان، والهلاك والدمار.
ولا يمكن إنقاذ البشرية من هذا المصير إلا عن طريق الحوار السلمي المستمر بين الحضارات وأتباع الديانات، كما لا يمكن معالجة كثير من المشكلات والقضايا التي تواجهها الإنسانية بأسرها إلا عن طريق حوار يتمتع بالحرية والمساواة بين المتحاورين. فالحوار هو السبيل الوحيد للتعاون بين الحضارات، والتعايش الاجتماعي والاقتصادي، والمساهمة في السلام العالمي والاسهام في حل الإشكاليات العالمية.
ومن أهم هذه الإشكالات تحديد قيم إنسانية مشتركة؛ في عالم تسود فيه روح رفض القيم، وقامت فيه دعوات تنادي إلى اللا قيمية وإلى نسبية المثل الأخلاقية التي لا تؤدي إلا إلى التخلي عن كل القيم والمثل في نهاية المطاف. والحقيقة أن العوامل التي تفكك أواصر الأسرة، وظاهرة الإرهاب العالمي، وانتشار المخدرات كلها من عواقب التنازل عن مبادئ الأخلاق والإصرار على نسبية الأخلاق. وهنا تتجلى أهمية الحوار بين الحضارات الكبرى التي تمثل الحصيلة المشتركة للبشرية في مجالات المعرفة والثقافة وإنجازات العلوم والتقنية.
ماهي الحضارة
وأن كلمة الحضارة تطلق على معانٍ متعددة مختلفة في سياقات مختلفة. ولكننا نعني بالحضارة في سياق هذا الحديث الحصيلة الشاملة للمدنية والثقافة والفكر ومظاهر الحياة في جميع أنماطها المادية والمعنوية، فيدخل فيها الرقي العلمي والتقدم الفني والتطور الأدبي والنهضة الاقتصادية والسلوك الاجتماعي والرفاهية المادية التي تحققها وتحصل عليها أمة من الأمم، وينطبق هذا التعريف العام على جميع الحضارات القديمة والمعاصرة بما فيها الحضارات المبنية على الديانات السماوية والحضارات المبنية على النظريات المادية.
ولكن لا تتأتى هذه المظاهر المادية لحضارة من الحضارات وثقافة من الثقافات ومدنية من المدنيات إلا إذا كانت وراءها مجموعة من العقائد والنظريات التي تحدد وجهة الحضارة المنبثقة منها، وتوفر لها حيويتها، وتضمن لمظاهرها وأجزائها وحدة متكاملة. ولا يمكن لأية حضارة أو مدنية أن تتخلى عن هذه العقائد والنظريات التي تسري في جسدها المادي كالروح والدم في جسد الكائن الحي، ولا تتخلى أمة ذات حضارة وثقافة من روح حضارتها وحياة ثقافتها المتمثلة في عقيدتها المتجسدة في نظريتها نحو الكون.
فالمعالم الرئيسية لكل حضارة هي التي تمثل الصلة بين العقائد والنظريات وبين المظاهر الحضارية لأمة من الأمم، فكأن هذه المعالم هي الأعمدة للبناء الحضاري، والتي تقف على قواعد الدين والعقيدة، ومنها تستمد قوتها، ومنها تستلم حيويتها، ومنها تستوحي ديمومتها وبقاءها. والمعالم الحضارية هي التي تميز الحضارات بعضها من بعض وهي التي تتمثل فيها هويتها وشخصيتها.
فالعقيدة الإسلامية وتعاليم الدين وقواعد الشريعة الإسلامية كما وردت في القرآن الكريم الذي تواطأت عليه الأمة الإسلامية بجميع مذاهبها وطوائفها والتي تعاقبت عليها الأجيال المسلمة والتي تعامل بها المسلمون في كل العصور والدهور هي قواعد الحضارة الإسلامية وأسسها التي تبتني عليها حضارة الإسلام، وهي المعالم الرئيسية لهذه الحضارة التي لا تتخلى عنها الأمة المسلمة في حال من الأحوال ومزايا هذه النظرية والمعالم الحضارية هي العالمية والروحانية والأخلاقية والإنسانية والشمول.
وكذلك الحضارة الغربية المعاصرة لها قواعد وأسس تستند إلى الخلفية الإغريقية التي تستمد منها مجموعة من نظرياتها وعقائدها، وإلى خلفيتها الرومانية التي تستلهم منها عديدا من آرائها القانونية واتجاهاتها الفكرية، ثم إلى عقائدها المسيحية وميولها المادية. كل أولئك تمثل قواعد الحضارة الغربية وأسسها التي تقوم عليها معالمها. وهذه المعالم تختلف عن معالم الحضارة الإسلامية في أمور، وتجتمع معها في أمور أخرى فمن أهم معالمها نظرية العلمانية التي يعتبرها الغرب من أحب قواعد حضارته وأهم معالمها وأثمن ثرواتها.
وكذلك نجد في الحضارات الأخرى قواعد ومعالم لا تتنازل عنها الأمم، بل تدافع عنها بكل ما لديها من الوسائل والطاقات. وبالدفاع عنها تبقى الحضارات، وبالإصرار عليها تزدهر، وفي بقائها بقاء الحضارات. وباضمحلالها تضمحل الحضارات.
فالحضارات لا تتصارع بطبيعتها، بل تتحاور وتبادل الآراء والأفكار ويتعلم بعضها من بعض فما من حضارة إلا وتعلمت من الحضارات الأخرى كما يدل على ذلك تاريخ الحضارات والأمم وكانت الحضارة الإسلامية في مقدمة الحضارات التي لم تتعصب في الإفادة من غيرها وأخذ كل ما يفيد البشرية في حياتها الفردية والاجتماعية بدون أن يمس ذلك العنصر المستفاد عقيدتها وأسس دينها ومعالم حضارتها ومظاهر ثقافتها فلم يتردد علماء الإسلام في تعلم المنطق وقواعد الفكر المنطقي من أئمة اليونان ولم يستنكفوا أن يتعلموا علوم الرياضة من الهنود وعلم الطب وغيرها من العلوم المفيدة ولم يبخل علماء الإسلام في تعليم ما لديهم من العلوم والمعارف لأبناء الأمم شرقا وغربا ولم تزدهر حضارة في تاريخ البشر إلا بالأخذ من غيرها من الحضارات والتفتح والانفتاح على كل معرفة حقيقية واكتشاف علمي ولم تمت حضارة ولم تذبل ثقافة إلا عندما أغلقت أبوابها على الآراء الجديدة والأفكار البناءة.