د مريم كاظم هادي
لا يسعنا هنا إلا أن نذكر أن العولمة طبعة جديدة لفلسفة الحكومة العالمية التي حاول من أجلها الصهاينة منذ أمد بعيد وذلك لان مقاليد الأمور في النظام العولمي الذي يحاولون إقامته وتشكيله تكون بأيدي الرأسماليين القلائل الذين يديرون السوق العالمية والذين أغلبيتهم من الصهاينة أو من الموالين للصهاينة ويهدفون بذلك إجحاف مؤسسة الدولة بأسرها في وجه سلطته المطلقة وفي نهاية المطاف تسيطر هذه المجموعة من أصحاب الشركات العالمية على الدول الوطنية والتي لن تجد بدا من أن تخضع لحركة السوق ومصالحها، فحكومة العولمة لا تكون إلا عبارة عن حكومة رجال الأعمال والمال. ودستور العولمة لن يختلف عن قانون الأقوى الذي تعاني منه البشرية منذ بدايتها.
يقول أحد الكتاب الغربيين: أن العولمة عندما تصل غايتها المنشودة وتحقق هدفها المطلوب يكون في العالم مجتمع موحد له قواعد ومثل موحدة ثم تكون هناك ثقافة موحدة في هذه الكرة الأرضية ولا تكون هناك حكومة مركزية لتنظيم هذه الأمور فتنعدم حينئذٍ الحدود الجغرافية وتتلاشى الفوارق الحضارية والاجتماعية والدينية بين البشر ولا تبقى قواعد ثابتة لتنظيم الثقافة ويظهر مجتمع عولمي بدون ثغور سياسية وحدود اجتماعية وقواعد دينية ثابتة وهذا لا يعني في نظرنا نحن المسلمين إلا فوضى حضارية تتلاشى فيها الديانات السماوية والثقافات العريقة والحضارات القائمة على مثل إنسانية وقيم أخلاقية. اي أن العولمة ليست ظاهرة جديدة إنما هي فكرة قديمة قدم الاستعمار الغربي ومرت بخمس مراحل قبل أن تصل إلى المرحلة الراهنة.
وإذا نظرنا إلى العولمة من هذه الناحية رأينا أنها تحتوي على جذور استعمارية قوية أكثر خطورة من الاستعمار السابق وذلك لان القوى الاستعمارية الغربية في السابق كانت تحاول أن تحقق مصالحها السياسية في العالم الإسلامي لتحقيق مصالحها الاقتصادية فالشركة الهندية الشرقية مثلا كانت مؤسسة تجارية في حقيقة أمرها وبداية نشاطها وقد خرجت من بلدها ومركزها أصلاً وبداية لتحقيق المصالح الاقتصادية ولم تتدخل في سياسات البلاد الشرقية إلا عندما اضطرت إلى ذلك لخدمة اقتصادها وتجارتها.
أما الآن فجاءت القوة الاستعمارية الغربية بمشروع استعماري جديد يضم مصالح ثقافية واجتماعية وعسكرية وحضارية جديدة بالإضافة إلى المصالح السياسية والاقتصادية القديمة فالعولمة القديمة كانت عبارة عن صورة قديمة من الاستعمار الغربي أما العولمة الحديثة فهي عبارة عن الهيمنة الأمريكية الكاملة والمطلقة في كل مجالات الحياة ويمكن أن نقول بـأن العولمة الجديدة عبارة عن أمركة الكون كله.
إن المؤسسات الغربية بما فيها المؤسسات الأمريكية والكتاب الغربيون والصحافة الغربية كلهم يؤكدون على التنوع والتعددية عندما تكون القضية متعلقة بالأقليات غير المسلمة داخل العالم الإسلامي ولكنها تنسى كل دعاويها للعولمة والتعددية إذا كانت القضية متعلقة بوضع سياسة وطنية عامة في وطن إسلامي يريد أن يؤكد انتماءه إلى الاسلام ويحاول أن يضمن استمرارية في سياسة الاحتكام إلى الشريعة فعندئذٍ يتناسى الغرب كل دعاوى التنوع ومطالب التعددية عندما تأتي قضية العالم الإسلامي وحقوقه الثقافية ومكانته الحضارية هذه الثنائية في السياسة وازدواجية المعايير تسبب كثيراً من المشكلات والتوترات فيما يتعلق بصلة العالم الإسلامي بالعالم الغربي.
فالخلاصة أن العولمة اسم جديد لمصطلح (النظام العالمي الجديد) الذي نادى به زعماء الغرب وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الأب بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وزوال الشيوعية وقبل خوضه في حرب الخليج الأولى ومن المعلوم أن حرب الخليج الأولى كانت بداية لتنفيذ خطة مدروسة لتغيير النسيج الاجتماعي والثقافي والحضاري للأمة ولذلك لا يشك المفكرون المطلعون في أن العولمة ليست إلا امتدادا لهذه السياسة المدروسة فنرى المفكر الإسلامي المعروف وهو الدكتور محمد عمارة يعرف العولمة بأنها الاجتياح الغربي بزعامة أمريكية لصب العالم كله في قالب الحضارة المهيمنة.