د. نزار الربيعي
البداوة من الناحية العلمية، تعني نظام اجتماعي لا يمكن ان ينشأ إلا في البيئة الصحراوية القائمة على التنقل والرعي، حيث يتميز افراد هذا المجتمع بالعصبية القبلية التي تعتبر البديل عن الدولة هناك فضلا عن مفاهيم الغزو والخشونة، التي يتميز بها هؤلاء الأفراد والتي خلقتها بطبيعة الحال الظروف الصحراوية القاسية المعروفة.
اما بالنسبة لمفهوم الحضارة فهي نظام اجتماعي تعتبر الدولة احدى اركانها الأساسية، يعنى بالإنتاج الثقافي والاقتصادي فضلا عن العلوم والفنون وهي قائمة _اي الحضارة_ على الثبات والاستقرار بخلاف البداوة القائمة على التنقل والرعي، فأفراد المجتمع الحضري يتميزون بعوامل الإبداع والابتكار والتطلع، ناهيك عن عوامل النعومة والترف التي يتميز بها هؤلاء الأفراد.
طبيعة المجتمع العراقي الذي يعتبر حلقة تتوسط الصراع بين مفهوم البداوة والحضارة، وذلك لأسباب كثيرة تتعلق بعوامل تاريخية وجغرافية عديدة فإذا نظرنا اولا الى العامل التاريخي سنكتشف ان اول حضارة نشأت في الوجود هي بابل في العراق، فمعروف عن مدى عراقة واصالة هذه الحضارة، ومدى ما وصلت اليه من علوم وفنون وابداعات على مر التاريخ، لا زالت حتى اليوم حديث الكثير من العلماء والمهتمين.
اما بالنسبة الى العامل الجغرافي الذي يعتبر السبب الرئيسي لظهور البداوة في العراق، فيجب ان لا ننسى ان العراق يقع على حافة الصحراء مباشرة دون وجود اي فاصل طبيعي بينهما، فكما قلنا ان الصحراء تعتبر الموطن الأصلي لنشوء البداوة وعلى هذا الأساس، جاءت الموجات البدوية الى العراق بشكل متتابع على مر الأزمان، مما حذا بالمجتمع العراقي ان يتبنى الكثير من القيم البدوية التي لا زالت موجودة لدى الكثير من افراده.
فوجود هذان النقيضان الكبيران (البداوة والحضارة) داخل بلد واحد خلق فيما بعد الكثير من التناقضات والإزدواجيات، داخل المجتمع انعكست على الواقع العراقي ومقوماته، فتارة نجد مناطق عراقية تتمسك بالعادات والقيم البدوية بشكل كبير، وهو ما نصطلح على تسميتها بالقرى والأرياف، وتارة نجد مناطق اخرى تتبنى القيم الحضرية القائمة على الاستقرار والتنظيم والإنتاج، وهي ايضا ما نصطلح على تسميتها بالمدن فهذا المد والجزر بين عامل الحضارة من جهة وعامل البداوة من جهة اخرى، جعل من المجتمع العراقي مقسم الى كانتونات متنازعة غير متجانسة ان صح التعبير، وبالتالي دخل المجتمع العراقي ذروة الصراع الحاد بين القيم البدوية والقيم الحضرية، ونستطيع ان نتلمس طبيعة هذا الصراع من خلال سلوك الكثير من العراقيين القائم على الإزدواجية والتذبذب في اغلب الأحيان،
فالعادات والتقاليد البدوية مسيطرة بقوة من جهة، والقيم والإتجاهات الحضرية مسيطرة بقوة من جهة اخرى، فهذا الأمر بطبيعة الحال يكشف بوضوح مدى انعكاس الصراع بين البداوة والحضارة التي بدأت أولى ثماره بالظهور في عهد سيدنا آدم، وولديه قابيل وهابيل.
لكن ما يهمنا هنا هو المجتمع العراقي اذ كيف سيتخلص من تراكمات هذا الصراع الأزلي، التي لا زلنا نرى اعراضها تتفاقم كل ما مر بنا الزمن الى الأمام؟، وكيف يمكن لنا ان نصحح الكثير من الأخطاء التي ارتكبها اسلافنا، في الماضي نتيجة لهذا الصراع الطويل؟
اعتقد بأن الإجابة على هذه التساؤلات، تتطلب منا قضايا كثيرة والدولة طبعا لها النصيب الأكبر في تحمل المسؤولية في هذا الشأن فعلينا أولا ان نعيد النظر في الكثير من الثغرات، التي افرزها هذا الصراع ونقف عليها قليلا فضلا عن العمل على نشر الوعي الحقيقي، بين افراد المجتمع و نبذ الخلافات العنصرية، و التقليل من خطورتها والعمل ايضا على توجيه دفة الفرد، نحو المشاركة الفعلية والبناء الإجتماعي، وتقديم كل ما ينفع من أجل الوطن ولأجل الوطن، فهذه المحاور وغيرها ان طبقت على ارض الواقع بشكل صحيح، نستطيع في هذه الحالة ان نجزم بأن نتائج الصراع بين البداوة والحضارة، وما أفرزته من تناقضات داخل المجتمع، قد يمكن لها ان تقل بشكل تدريجي، وطبعا هذا الأمر بحد ذاته يحتاج الى جهد كبير قد يأخذ منا زمنا طويلا بالتأكيد .
يُعدّ مفهوم صراع البداوة والحضارة المأخوذ من العلامة (ابن خلدون) الأساس الأوّل والمنطق الذي اعتمده الدكتور الوردي في تحليله لطبيعة المجتمع العراقي وتأريخه خلال القرون الأخيرة وقد بين ذلك قائلاً: (لقد اجمع علماء الآثار إنَّ العراق كان مهبط حضارة تُعدّ من أقدم الحضارات في العالم وظلت الحضارة تراود العراق حيناً بعد حين ونجد العراق من الناحية الأخرى واقفاً على حافة منبع فياض من منابع البداوة هو منبع الجزيرة العربية فكان منذ بداية تاريخه حتى يومنا هذا واقعاً بين متناقضين من القيم الاجتماعية قيم البداوة الآتية من الصحراء المجاورة وقيم الحضارة المنبعثة من تراثه الحضاري القديم.
يتضح هذا الصراع بأوضح صوره في العراق …. إنَّ العراق، على حد تعبير (توينبي) هو بلد (هابيل وقابيل) فكان المجتمع العراقي عرضة لمد البداوة وجزرها على توالي العصور. ويمكن القول إنَّ أطول فترة سيطر فيها المد البدوي على العراق هي الفترة الأخيرة التي بدأت منذ سقوط الدولة العباسية، أو قبل ذلك بقليل، ثم استمرت ما يقارب الستة قرون، انهارت فيها سلطة الدولة، واختل نظام الأمن، وتتابعت الفيضانات والأوبئة والمجاعات؛ ما جعل الحضارة تذوي في العراق وتستفحل القيم البدوية محلها.
والمتوقع في مثل هذه الحالة أنْ يعاني الشعب صراعاً اجتماعياً ونفسياً على توالي الأجيال وقد يجوز أنْ نصف الشعب العراقي بأنهُ شعب حائر فقد انفتح إمامه طريقان متعاكسان وهو مضطر أنْ يسير فيهما في آن واحد.
يكفي لفهم تلك الفترة أنَّ ثلاثة أرباع السكان فيها كانوا يخضعون للتنظيم العشائري وتسيطر عليهم قيم العصبية والغزو والثأر والدخالة وغسل العار وما شابه ذلك. أمَّا الربع الباقي الذين يُمثلون سكان المدن؛ فهم وان كانوا يختلفون عن العشائر في بعض الأمور الظاهرية، كالمسكن والملبس وطرق العيش. غير أنهم في أعماق أنفسهم لم يكونوا يختلفون عن أولئك كثيراً؛ فطالما تعصب ابن المدينة لمحلته، كما تعصب الرجل البدوي لعشيرته. وحين ندرس شخصية صاحب الحرفة المدني، نجده أقرب إلى قيم البداوة منه إلى قيم الحضارة؛ فنزعة الغزو والفرهود أقوى عنده من نزعة العمل والإنتاج، فهو يميل إلى أنْ يغلب الزبون بدلاً من أنْ يستميله على طريقة أهل الحضارة. هكذا تمددت أخلاق البداوة لتشكل واحدة من الخصائص العامة في طبيعة المجتمع العراقي.