الاستاذ الدكتور نزار الربيعي
يمثل الفكر في حياة الإنسان الثقافية والحضارية والتاريخية العامل المحرك الذي يشكل الإنسانية بكل أبعادها في الفرد والمجتمع والدولة والأمة ويحرك التاريخ ويصنع الحضارة، فمن دون الفكر يبقى الإنسان رهين لبهيميته لا تشغله إلاّ شهوته. ويتعدد الفكر ويتنوع بتنوع بيئات الشعوب والأقوام والأمم والمجتمعات الجغرافية والسياسية وغيرها.
والفكر العربي أحد أنواع الفكر التي عرفتها تاريخ الإنسانية، له منظومته وخصوصيته، ارتبط بالوجود العربي وتطوّر عبر العصور متأثرا بسائر التحوّلات التي عرفها الإنسان في حياته، يتحدد بالتراث العربي وما انبثق عنه من منظومات فكرية وعلمية وفلسفية منذ القديم حتى الآن، كما يتحدد بالتراث العربي متمثلا في ديوان العرب قبل الإسلام، وفي سائر عناصر الثقافة العربية الفكرية والدينية والأخلاقية والسلوكية، التي جاءت وتطوّرت بعد الإسلام إلى يومنا هذا، ويتحدد كذلك بما أفرزه امتزاج التراث العربي بالتراث المسيحي والإسلامي بالفكر الإنساني القديم والحديث والمعاصر وبمشكلات وتحدّيات العصر الحاضر وتحوّلاته.
فالفكر العربي أي في جانبه العربي يشمل كل ما هو عربي صرف، عربي يهودي، عربي مسيحي عربي صابئي، عربي بمعتقدات وأفكار ومعارف أخرى، ويظم كل ما هو عربي ممزوج بغيره استوعبته الثقافة العربية والبيئة العربية في توافق وانسجام قبل الإسلام، كما يشمل كل ما هو عربي تطوّر وامتزج بالإسلام وتطوّر بعد امتزاجه بالإسلام، وبعد امتزاجه بثقافات وديانات وفلسفات أخرى، بعد اتساع رقعة الدولة الإسلامية واحتكاك العرب والمسلمين واللغة العربية والثقافة العربية بشعوب وأمم غير عربية في مشارق الأرض ومغاربها، عن طريق الفتوحات الإسلامية والتجارة والأسفار العلمية وغيرها، ولعبت حركة الترجمة دورا كبيرا في نقل التراث الفكري والفلسفي والأدبي وغيره إلى العرب والمسلمين.
ولعل سائل يسأل ما هو الفرق بين الفكر العربي والفكر الاسلامي فنجيب بأن الفكر الإسلامي فهو اعم من الفكر العربي، من حيث ان الاول مرتبط بالدين الإسلامي عقيدة وشريعة ولاتصاله بالثقافة الإسلامية وبحياة المسلمين، اما الفكر العربي فيرتبط بالقومية العربية، فهنا قومية واحدة وديانات متعددة، اما في الفكر الاسلامي فديانة واحدة وقوميات متعددة.
ويمكن ارجاع خصوصية الفكر الى مجموعة من المكونات الثقافية التي تشكل هوية الانسان العربي وخصوصيته والتي هي اللغة، فاللغة العربية لغة أم لها تاريخ عريق في تاريخ اللغات والمجتمعات على هذه الارض، وبها تحققت كينونة الوجود العربي.
و الأرض، للمكان الاثر الكبير والمؤثر على الانسان، والانسان العربي ابن الجغرافية والمحيط الذي ينتمي له، وقد أكد الفلاسفة على اهمية واثر الجغرافيا في الانسان، وطريقة عيشه مع نفسه ومع الجماعة.
التاريخ، لكل فرد ومجتمع وجماعة تاريخها الذي تنتمي له، الذي يحمل أرثها ووجودها ووقائعها وأحداثها طوال التاريخ، والتاريخ يشكل معالم شخصية الانسان وطريقة تواصله بين الاجيال والاحداث التي ينتمي لها ذلك الانسان، والانسان العربي له تاريخ عريق مليء بالوقائع والقصص التي تميزه عن غيره من الافراد والمجتمعات.
الثقافة، لكل جماعة ثقافتها التي تحركها وتنتمي لها وتشكل هويتها، من عادات وتقاليد وفنون وآداب وتراث وفلكلور تشكل بصمة كل قوم وجماعة في هذا العالم، وهي مختلفة من مكان الى آخر، بأختلاف الجماعات والامم، وللانسان العربي ثقافته الخاصة التي صنعت هويته، تشترك فيها الشعوب العربية اليوم باختلاف الدول وحدودها المصطنعة، فالثقافة العربية هوية صنعت شخصية الانسان العربي وطريقة تفكيره وعيشه وسلوكه مع نفسه ومع الجماعة.
و الفكر، كل ما تقدم من مكونات هي عوامل اساسية شكلت هوية محددة لطريقة تفكير الانسان عامة والانسان العربي على وجه التحديد، فانتمائه الى لغة عربية ومكان عربي وتاريخ عربي وثقافة عربية كل هذه شكلت هوية الانسان العربي وخصوصيته وطريقة تفكيره بين القوميات والهويات المختلفة الموجودة في هذا العالم، شأنه شأن غيره من البشر في المجتمعات الأخرى. فهذه المكونات مجتمعة تشكل هوية الانسان وخصوصيته وتحقق وجوده وترسم مساره ومسيرته في العيش والتفكير والحياة في هذا الوجود.