د. يوسف السلوم
لقد أصبحت ظاهرة ارتداء الملابس غير المحتشمة في الأماكن العامة من المشاهد المثيرة للجدل في مجتمعاتنا العربية والاسلامية، لا سيما في ظل الانفتاح الثقافي على العالم و أنتشار وسائل التواصل الاجتماعي التي نقلت للمجتمع أنماط عديدة من الألبسة التي تتناقض ولا تتناسب مع القيم المجتمعية الاصيلة السائدة والعادات والتقاليد المحلية.
إلا أن هنالك البعض من الافراد من يعتبرها حرية شخصية، بينما يراها البعض الاخر تعديًا على الذوق العام، حيث تبقى هذه القضية محل جدل واسع بين فئات المجتمع، خاصة في الأماكن العائلية والأسواق والمرافق العامة التي يفترض أن تلتزم بحد أدنى من الاحتشام، حيث تشهد الشوارع التجارية والمجمعات الترفيهية وبعض الأماكن السياحية حالات متكررة لارتداء ملابس شفافة، ضيقة، أو تكشف أجزاء كبيرة من الجسد، مما يثير انزعاجًا بين المواطنين، ويخلق أجواءً مشحونة بين الحريات الفردية والالتزام الاخلاقي و الاجتماعي.
و من الناحية القانونية، فقد تفتقر بعض الدول إلى نصوص قانونية صريحة تجرّم ارتداء الملابس غير المحتشمة في الاماكن العامة، ففي العراق، فأنه لا يوجد قانون خاص يعاقب مباشرة على اللباس، لكن المادة (403) من قانون العقوبات العراقي تعاقب من يرتكب فعلاً مخلاً بالحياء في مكان عام، وقد يُستند إليها في بعض الحالات بناءً على تفسير رجال الأمن أو شكوى عامة، أما في الدول التي تتبنى قوانين الذوق العام فإنها تنظم لوائح تنظيمية في بعض البلديات أو المحافظات تنص على احترام الآداب العامة و التي هي عنصر من عناصر النظام العام في الأماكن العامة، ومنها ارتداء الملابس المحتشمة في الاماكن العامة، مثل السعودية فهناك تعليمات واضحة تعاقب على ارتداء اللباس غير اللائق بغرامات مالية.
إلا أن مسألة ارتداء الملابس تتطلب توعية مجتمعية لا قمعًا، وأن يكون هنالك تمييز بين الحرية الشخصية والتعدي على حقوق الاخرين، حيث انه لا أحد يملك حق فرض وصايته على الآخرين، ولكن كذلك من يرتاد الأماكن العامة يجب أن يضع في اعتباره أن اللباس رسالة، ويجب أن تعكس احترامًا للمكان والناس.؟
من جهة أخرى، فإن بعض الناشطين يطالبون بسن قوانين أكثر تحديدًا تعرّف ما هو “غير لائق” أو “مخل”، تفاديًا للاجتهادات الفردية، وتوحيدًا للمعايير، دون المساس بالحريات الأساسية المكفولة في الدستور.
كما تلعب الأسرة دورًا أساسيًا في ترسيخ مفاهيم اللباس المناسب والتصرف في الأماكن العامة، لكن تراجع الرقابة الأسرية والانبهار بثقافة الترندات جعل العديد من الشباب ينجرفون نحو التقليد دون وعي.
كما أن الإعلام ومواقع التواصل تروج أحيانًا لأنماط من اللباس لا تتناسب مع قيم المجتمع، وهو ما يستدعي مراجعة المحتوى المقدم ورفع وعي المستخدمين.
ختامًا يبقى ارتداء الملابس غير المحتشمة في الأماكن العامة قضية جدلية، تتقاطع فيها الحرية الفردية مع احترام الذوق العام، وتتطلب معالجة متوازنة بين التوعية، والتنظيم، والحفاظ على الهوية الثقافية للمجتمع.