قِراءة نقــدية: في رواية «كولونيا الجديـدة

 

إبراهيم دربات

المبادئ الثـورية والأسطورة ، وصورة المرأة في الأدب الأريتري.

*المُّقدمة:

إن الأدب النضالي الثوري هو ذلك الأدب الذي ينبع من وجدان الشعوب في أوقات المُعَاناة والتحدي، ويعبر عن طموحاتهم وآمالهم في التحرر والتغيير. في إريتريا، كما في العديد من البُلدان التي شهدت صِراعات من أجل الحرية والإستقلال، كان للأدب دور حاسم في تعزيز الوعي الثوري وتحفيز الجماهير على النضال ضد الإحتلال والظُلم.

منذ بداية الحركات الثورية في إريتريا، كانت الكلمة هي السلاح الأقوى في يد الأدباء والكتاب. تحولت الحروف إلى قوة محورية، تحمل بين طياتها رسائل مُناهضة للإستعمار، داعيةً إلى التحرر من نير الظلم والإحتلال. ونتيجة لذلك، أصبح الأدب في إريتريا أداة من أدوات النِضال الثوري، حيث حمل الكتاب والإعلاميون في هذه المرحلة رسالتهم الوطنية بكل صرامة وحب للوطن.

إن من أبرز معالم الأدب النِضالي الثوري الإريتري هو الفئة التي حملت لواء الكلمة بأمانة وصدق، وأصبحت فرسانًا في ميدان الفكر والمقاومة. هؤلاء الكتاب والشعراء، الذين لم يكن لهم هدف سوى تحرير وطنهم، استخدموا الأدب كأداة للتعبير عن مواقفهم السياسية والفكرية. وكان الأدب بالنسبة لهم ساحة مفتوحة للحوار، حيث استطاعوا أن يعكسوا مُعَاناة الشعب الإريتري، ويُبصِّروه بمسار النضال الثوري من خلال الأبيات الشعرية والقصص والقصائد.

من خلال كلماتهم، إستطاع هؤلاء الأدباء أن يرفعوا معنويات الشعب ويزرعوا فيهم الأمل في أن الحرية قادمة مهما طال الزمن. هؤلاء كانوا في المقام الأول فرسان الكلمة، يدافعون عن حقوق شعبهم ويستنهضون هممهم ضد الاحتلال. لم يكن الأدب في هذا السياق مجرد زخرفة لغوية أو سردٍ عابر، بل كان رسالة حية تكتسب أهميتها من قسوة الواقع الذي كانوا يعيشونه.

ما يميز الأدب الثوري في إريتريا هو رصانة المعنى، كمثال رواية فجر أيلول، وكولونيا الجديدة، للأديب الأريتري هاشم محمود، ورواية رحلة الشتاء، التي تجسد عمق التجربة الإنسانية في مواجهة الإضطهاد. فقد قام الأدباء في إريتريا بتحويل مآسي شعبهم إلى كلمات تبث في النفوس شجاعة وعزيمة. كانت الكتابات تتسم بالقوة والوضوح، فكانت تمثل مرآة للواقع الإريتري في تلك الحقبة، حيث كانت الدماء تنزف، والتضحيات تتوالى، والجماهير كانت تطالب بالتحرر من القيود.

الأدب الإريتري الثوري لم يكن مجرد ترف فكري، بل كان تعبيرًا عميقًا عن حالة من الوعي الثوري، الذي يتوجه مباشرة إلى القلوب والعقول ليوقظها من سباتها. كان بمثابة حجر الزاوية في بناء الهوية الوطنية الإريترية، من خلال نقل آلام الشعب وآماله إلى العالم الخارجي. من خلال كلماتهم، نقل الأدباء الإريتريون صورًا حية للمعارك والنضال اليومي الذي كان يعيشه الشعب، مما جعل الأدب الإريتري من أبرز الأدبيات الثورية التي تحاكي شجاعة الشعوب في وجه الظلم.

في إريتريا، كان الأدب جزءًا من الهوية الوطنية، وكان الهدف منه تحفيز الشعب على إستمرار النضال من أجل استقلاله، والتحرر من سيطرة القوى الأجنبية. الكلمة في الأدب الإريتري كانت بمثابة منارة تقود الناس إلى الهدف الأسمى الحرية والإستقلال.

ومع مرور الزمن، أصبح الأدب الإريتري محط إهتمام عالمي، لما له من قدرة على تصوير معاناة الشعوب في مراحل النضال التاريخية، وعرض الصور الحية للتحديات التي يواجهها الإنسان عندما يواجه ظلمًا طاغيًا. لقد جعل الأدب النضالي الثوري في إريتريا من الكتاب والشعراء فاعلين في معركة التحرير، إذ شكلوا جسرًا بين المقاتلين في الميدان والشعب في المدن، وبين الأجيال التي نشأت في زمن النضال والأجيال التي تلت.

الأدب النضالي الثوري في إريتريا لا يزال علامة فارقة في تاريخ الثقافة الأفريقية ففرسان الكلمة الإريتريين قد سجلوا بحروف من نور مواقفهم المُشرفة، وأرسوا رصانة المعنى الذي لا يزال ينهض بحضارة شعبهم. وفي كل قصة تُروى، وكل قصيدة تُنشد، وكل كتاب يُكتب، نجد أن الكلمة هي السلاح الذي لا يخطئ، وأن الأدب هو الركيزة التي ترتكز عليها حركة التحرر الوطني في إريتريا.

لقد غرس الأدب النضالي في أذهان الشعب الإريتري مفهوم التضحية من أجل المستقبل، وأصبح هو الطلائع التي لا تهدأ في معركتها من أجل بناء وطن حر وموحد.

– عندما يكون الشخص كاتبًــا هذا أمر، وعندما يكون مناضلًا هذه أمران، وعندما يُناضل بالأدب هذا يعني انه يُنادي بترسيخ الأسس النضالية ودحض الفكر الأيدلوجي للمُتلقي الـذي يُبحر داخل أعمال الأدبية التي تحمل أفكار الثـورة و النِضال، النِضال بالأدب طريقٌ شاقًا ومرهقًا، في طريقها الكثير من المحطات التي توجد بها ثُقبات، وأُناس يحاولون جعل هذا الطريق مُتعثرًا ولكن القلم والفكر يـذهبون دون منازع ولا أسفًا عليهم.

– الأديب الأريتري (هاشم محمود) في روايته هــذه كولونيا الجديـدة، طاف بنا تاريخيًا، وسياسيًا، وثقافيًا، داخل القارة الأفريقية ككل التي تعاني من وحي الإمبريالية الجديـدة التي تحاول غرس أنيابها داخل القارة الأفريقية، والدولة الأريترية بصفة خاصة بمساعدة الدول الصديقة زيفًا وبهتانًا.

– وظف قلمه وعقله المبــدع باحثًا ومُحركًا للبحث ما هو مجيد للإنسان الأفريقي وإنسان أرتيريا بصفة خاصة، تناول قضايا جمة وهي ترجمان لقضايا آنية، في هــذه القراءة نقف عن إبـداع القلم الإريتري.

– الأدب الأريتري يُصنف من الأدب الأفريقي الذي يتميز بالإبـداع والتجرد من الإنحيازات العقلية؛

الأدب الأفريقي غني ومتنوع وملهم للغاية، إنه يقدم رؤية فريـدة للثقافة والتاريخ والحقائق الإجتماعية والسياسية والإقتصادية لهذه القارة الرائعة، يحتفل الأدب الأفريقي بتنوع أصوات وتجارب مؤلفيه.

– إن أعمال الكتّاب الأفارقة العظماء (وولي سوينكا، وكمارى لاي) وغيرهم الكثير، لم تأسر القراء في جميع أنحاء العالم فحسب، بل ساعدت أيضًا في توسيع الآفاق وتحدي التحيزات والقوالب النمطية الغربية عن أفريقيا.

– يتناول الأدب الأفريقي موضوعات عالمية مثل الهوية والإستعمار والتقاليد والحداثة والحب والعدالة الإجتماعية وغيرها، مع توفير منظور فريـد ودقيق، كما يسمح لنا بفهم الحقائق المختلفة التي يعيشها الأفارقة بشكل أفضل وتعزيز التنوع الثقافي والتعددية الثقافية.

– يكشف إستكشاف الأدب الأفريقي عن روايات معقدة، وشخصيات إنسانية عميقة، ومؤامرات آسرة تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية، يقدم ثراء اللغات الأفريقية والتقاليد الأدبية سيمفونية حقيقية من وجهات النظر والتأملات، وتدعو القراء إلى توسيع آفاقهم واستكشاف آفاق جديدة.

– تأخذنا هذه الرواية الأفريقية في رحلة ساحرة عبر الزمن والمكان، حيث تتشابك الأساطير القديمة مع الواقع المعاصر في نسيج أدبي فريد.

– بأسلوبه السلس والممتع، ينجح الكاتب في نقل القارئ إلى قلب القارة السمراء، مستعرضًا جمالها وتنوع ثقافاتها.

– تتناول الرواية قضايا إنسانية عميقة، مثل الهوية والصراع والتغيير، مما يجعلها ليست مجرد قصة، بل تجربة فكرية وروحية غنية.

– إنها عمل أدبي يستحق القراءة والتأمل، ويعكس بوضوح موهبة الكاتب وقدرته على إحياء التراث الأفريقي بأسلوب حديث وجذاب.

– الأدب الأريتري : مكتوب بلغتين أساسيتين وهما العربية والتجرينية؛ اللغتان الرسميات الوطنيتان في هذا البلد الأفريقي غير إنه يوجد منتجات أدبية وفكـرية مكتوبة بالإنجليزية والإيطالية، تقود للعهد الإستعماري ولكنها ليست بالكبيرة والمقروءة ولكن الأغلب الإنتاج الأدبب المعروف مكتوب باللغة العربية ولكنه بعد الإستقلال أصبح قليل وغير فعال، بفعل القمع الممارس من طرف السلطة الحاكمة التي ترى في كل إبـداع انه معرفته للحكم ولذلك تقوم بالتضييق على الأدباء و المبدعين.

– صـدرات هذه الرواية (كولونيا الجديــدة) عن دار النخبة للطباعة والنشر والتوزيع في جمهورية مصر العربية، عدد صفحاتها ٢٣٦ صفحة.

– هذه الرواية كُتبت بأسلوب أدبي متفرد، اختار الكاتب مفردات جمالية تُناسب عقلية القارئ دون جهد ذهني يبذله، واضحة في مفهومها، تشابك فيها خيوط اللغة وهذا التشابك هو إمتداد لحصافة الكاتب؛ بعض الصفحات إستخدم فيها الكاتب بعض الألوان البلاغية، كالتشبيهات وعلم المعاني المُــراد من ذلك تقريب الصورة الذهنية للقارئ.

– كولونيا الجديــدة؛ يتساءل القارئ المُتأمل عن ماهية هذا المصطلح؟

هذا المصطلح له ارتباط بيولوجي؛ الذي درس علم الأحياء (بيولوجي) يفسرهُ بأن كولونيا مُشتق من الفعل كلونة وتعني الإستنساخ في علم الأحياء والمراد بها إنتاج أفراد جديــدة؛ وكذلك هنا يتبادر سؤلًا مرة أخرى عن من هم الأفراد الجُدد الذين يأتون؟

وفي أي بيئة يعيشون فيها؟

وكيف مستقبلهم؟

هل يحملون بذور النضال وينثرونه حتى ينبت مرة أخرى..؟

هذه الرواية كفيلة ان تجاوب لأسئلة القاريء الذي ترجم هـذا المصطلح وفقًا لعلم البيولوجيا.

أما الذي ليس له علاقة بعلم البيولوجيا سيكون تفكيك هذا المصطلح به غموضًا كبيرًا، وسيكون عصية عليه؛ لكن الكاتب بدء روايته بقــراءة نقــدية حتى يُسهل للقارئ فهم الغموض لهذا المصطلح.

 

 

 

قد يعجبك ايضا