د . صباح ايليا القس
ابو العتاهية شاعر عباسي اشتمل شعره على اغلب اغراض الشعر العربي لكن الزهد طغى على شعره لاحقا حين أحسّ بالشرور الاجتماعية تضرب المجتمع ووجد من الصعب التوفيق بين عنصري الخير والشر اللذين هما اساس قيام البشرية , والخير والشر من المتلازمات او الثنائيات الكثيرة في الحياة مثل السلم والحرب والكرم والبخل وغير ذلك كثير .
ادب الزهد هو الغرض الوحيد الذي يعالج الشرور الذاتية والاجتماعية واذا طغى الزهد على الزاهد صار الامر مبالغا وتطرفا .
ادب الزهد لم يكن مقصورا على الادب والشعر العربي خاصة بل هو معروف عند الامم الاخرى التي عرفت الاديان طريقا الى قلوبهم وادركوا الخير والشر فكان هناك الرهبان الذين عاشوا في القفار العربية وكذلك في مواضع اخرى ما نزال نشهدها عند البوذيين مثلا .
يشتمل الزاهد على التمسك بالايمان الديني مشغولا بالصلاة والصوم والعبادة والتقشف مهمته الوعظ والارشاد والنصح داعيا الى التنسك والتقوى ومخافة الله .
الزهد موجود في الشعر الجاهلي وعرفه الشعر الاسلامي في صدر الاسلام وتوطد الزهد في العصر الاموي ممثلا بالحسن البصري الواعظ المرشد المعروف .. وهذا الزهد في هذه المرحلة هو رد قوي على حياة الترف التي عرفها العصر الاموي لا سيما شعر الخمر والغزل الفاحش .
انتشر الزهد والزهاد في العصر العباسي والعصور الاخرى لاحقا اذ هو الموقف المعاكس لحالة الانفتاح الماجن والترف الفاسق الذي تمثل بظهور ابي نؤاس واتباعه من المتمردين .
اسماعيل بن القاسم المعروف بأبي العتاهية بدأ حياته شاعر غزل كما في غزله بعتبة جارية المهدي يقول :
يا عتْبُ سيدتي اما لك ديـــنُ حتى متى قلبي لديك رهيـــــــنُ
يا عتْبُ أين أفرُّ منك أميرتي وعليّ حصن من هواك حصينُ
ابتدأ الزهد يأخذ طريقه الى قلب الشاعر منذ ولاية المهدي وصار يهتم بكتب الزهد والفلسفة والدين حتى لأجل هذا تغير سلوكه وملبسه .
وفي عصر الرشيد كان القرار نهائيا حيث التزم بكل معايير الزهد والزهاد واصبح يجاهر بذلك مذكرا الجميع بقرب انتهاء الدنيا واقتراب الموت .
فتح ابو العتاهية بانقلابه هذا الباب امام الشعراء حينها بعد ان تجاهلوا الدنيا الآخرة وانصرفوا الى اللذات الفانية فكان يذكرهم بالشرور والاثام التي ستكون رصيدهم في الآخرة حيث الجحيم بانتظارهم . يقول في الزهد بالمال :
لدوا للموت وابنوا للخرابِ فلكلكمُ يصير الى تبـــــابِ
لمن نبني ونحن الى تراب نصير كما خلقنا من ترابِ
حينما عرف الناس والشعراء خاصة اعتزال ابي العتاهية اخذ بعضهم يعيد النظر في حياته وتصرفاته حتى صار مقبولا هذا الشعر في الاوساط الثقافية والمجالس والخطباء في المساجد .
يقول :
لعمرك ما الدنيا بدار بقــاءِ كفاك بدار الموت دار فنــــاء
فلا تعشق الدنيا أخيَّ فانما ترى عاشق الدنيا بجهدِ بلاء
كل الخير في ان يعرف الانسان سبل حياته ويدرك اننا كلنا راحلون وامام رب واحد واقفون .