زمن التفاهة وصعود الصعاليك الجدد

مهند الصالح

في عالمٍ متسارع حيث تشكّلت قيم جديدة على أنقاض القيم الأصيلة، يطفو على السطح نمطٌ جديد من “النجاح”، تقوده فئةٌ لا تحمل من المعنى شيئًا، سوى قدرتها الخارقة على شدّ الانتباه وسط ضجيجٍ لا يُنتج معرفة ولا يزرع وعياً. إنّنا نعيش – كما وصفه البعض – زمن التفاهة والصعاليك حيث حُسمت المعركة لصالح التافهين، فاستولوا على منابر التأثير، واحتلوا شاشات الإعلام، وارتقوا سلّم الشهرة من أضيق أبواب المضمون.
التفاهة: حين يصبح اللاشيء إنجازًا
في السابق، كان المجتمع يحتفي بالعلماء والمفكرين والكتّاب والمبدعين، وكان معيار النجاح يقاس بمدى عمق الأثر وجودة المحتوى. أما اليوم، فقد تغيّرت المعايير؛ إذ يكفي أن تتقن رقصة سخيفة، أو تثير جدلاً فارغًا، أو تستعرض مظهرًا لافتًا، حتى تُحاط بهالة من النجومية.
لقد نجحت وسائل التواصل الاجتماعي في إعادة تشكيل الوعي الجمعي، ولكن لا نحو الأفضل. فقد أتاحت المنصات المجال لكل من يملك هاتفًا وشيئًا من الجرأة أو السطحية، ليصير رمزًا يُتابَع ويُقلَّد، لا لشيء سوى لأنه يُضحك، يُثير، يُستفز… أو ببساطة: لأنه “لا يقول شيئًا ذا معنى”. وهكذا، صار بالإمكان لأي “جميلة بلهاء” أو “وسيم فارغ”، أن يعتلي منصات الشهرة، مدجّجًا بجحافل المتابعين.
ما يشبه “زمن الصعاليك الهابط”، كما وصفه أحد المفكرين، ليس فيه احتجاج على الظلم، كما فعل صعاليك الجاهلية، بل فيه تمرّد على القيم، واحتقارٌ للصعود الحقيقي، وسخرية من العقل. لقد أُقصي المثقفون، وتوارى الأدباء، وانكفأ المبدعون، لأنهم لا يجيدون الصراخ ولا يسعون إلى الضجيج.
فمن يرفض أن يكون تافهًا، يختار العزلة، أو يُهمَّش قسرًا، لأن القيم التي كانت ترفع صاحبها، باتت تُثقل كاهله. أما التافهون، فقد امتلكوا “أسرار اللعبة”: لا وقتَ للمعنى، بل الوقتُ للترفيه الفارغ، للعبث، للظهور المتكرر، دون مضمون يُذكر.
ما يجب فهمه هو أن التفاهة ليست مجرد سلوك عفوي أو طفرة ثقافية مؤقتة، بل أصبحت منظومة مهيمنة، تُنتج وتستهلك وتُعيد تدوير المحتوى الهابط، وتُقصي المختلف، وتُكرّس الرداءة. إنها، باختصار، نوعٌ جديد من الهيمنة: هيمنة التفاهة على الوعي الجمعي.
وهذا لا يعني أن الجماهير تفضّل التفاهة دائمًا، بل قد تكون ضحية لها؛ إذ يتم ضخّ المحتوى السطحي بشكل كثيف، في ظل غياب بدائل جذابة أو دعم للمحتوى الجاد. وبهذا، يتكرّس وهمٌ مفاده أن “هذا ما يريده الناس”، بينما الحقيقة أن الناس تعوّدوا فقط ما يُقدَّم لهم بكثافة.
رغم هذا الواقع القاتم، فإن بصيص الأمل لا ينطفئ. لا تزال هناك منصات ومبادرات تُعلي من شأن الفكر والمحتوى الجاد، ولا يزال هناك جمهور يبحث عن المعنى وسط الضجيج. يبقى السؤال: هل نستطيع كأفراد أن نقاوم هذا التيار؟
الجواب: نعم، ولكن بثمن. فرفض التفاهة اليوم هو عمل مقاومة، يحتاج إلى وعي، وصبر، وإصرار على عدم الانجراف. وربما يكون الدور الأكبر على الآباء والمربين والمعلمين والمثقفين، الذين تقع على عاتقهم مهمة إعادة الاعتبار للمعنى في زمن اللا معنى.
التفاهة ليست قدراً، بل خيارٌ تُفرض به الهيمنة على العقول، لكنها لا تنتصر إلا حين نصمت عنها
فهل سنصمت؟ أم سنقاوم… بالكلمة، والمعرفة، والمعنى؟

قد يعجبك ايضا