د. دژوار سندي
أكاديمي ومتخصص في القانون
المدخل العام للموضوع: تُعد منطقة كردستان وحدة جيوسياسية فريدة ضمن بيئة إقليمية تتسم بعدم الاستقرار، وتشهد تداخلًا معقدًا لمصالح قوى إقليمية ودولية متنافسة. وقد أسهم موقعها الجغرافي الحيوي ومواردها الطبيعية الغنية، ولا سيما النفط والغاز، في تعزيز أهميتها الاستراتيجية، ما جعلها محط أنظار مختلف الفاعلين الإقليميين والدوليين. وعلى الرغم من التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية، فإن إقليم كردستان يمتلك إمكانات تؤهله للعب دور فاعل في المعادلة الإقليمية، شرط تبني رؤية استراتيجية متوازنة وشاملة.
أولًا: التحديات الجيوسياسية والإقليمية:
تواجه كردستان جملة من التحديات المتشابكة، من أبرزها التنافس الجيوسياسي بين القوى الإقليمية الكبرى، وعلى وجه الخصوص الصراع الإيراني–الإسرائيلي، الذي يتموضع الإقليم في قلبه بوصفه ساحة غير مباشرة لهذا الصراع.
إيران ترى في كردستان منطقة حساسة من الناحية الأمنية، تسعى إلى احتوائها عبر أدوات نفوذ ناعمة وخشنة، تشمل دعم جماعات مسلحة غير حكومية، ومحاولات اختراق النسيج الأمني والسياسي. وتندرج هذه السياسة ضمن استراتيجية إيرانية أوسع تهدف إلى توسيع مجالها الحيوي غربًا.
إسرائيل، في المقابل، تنظر إلى كردستان كشريك جيوسياسي محتمل، من خلاله يمكن تشكيل حاجز استراتيجي يقيّد النفوذ الإيراني في المشرق العربي.
يقتضي هذا الواقع من القيادة الكردية إدارة دقيقة لتوازن القوى، بما يحفظ مصالح الإقليم ويجنّبه الوقوع في محاور إقليمية متصارعة قد تقوض استقراره الداخلي ومكانته الإقليمية.
ثانيًا: الديناميات الداخلية وبناء الاستقرار:
على الصعيد الداخلي، تمكن إقليم كردستان من إرساء دعائم نظام سياسي ذي طابع تعددي نسبي، وبناء مؤسسات حكومية مستقرة مقارنة ببقية مناطق العراق. وتشمل هذه الإنجازات:
تأسيس مؤسسات حكم ذاتي تتمتع بدرجة معتبرة من الاستقلال الإداري والسياسي، رغم ما يعتريها من تحديات تتعلق بالحوكمة والشفافية.
تحقيق استقرار أمني نسبي عبر قوات أمنية محلية (البيشمركة) تحظى بخبرة ميدانية، رغم الحاجة الملحة لإعادة هيكلتها وفق معايير مهنية موحدة.
نمو اقتصادي نسبي مدفوع بقطاع النفط والتجارة العابرة للحدود، إلا أن هذا النمو لا يزال هشًا بفعل اعتماده المفرط على العائدات النفطية وتراجع التنويع الاقتصادي.
ورغم أهمية هذه المكاسب، فإنها تظل غير كافية في ظل هشاشة البنية الاقتصادية، وتداخل الأمن بالسياسة، وضعف التنسيق بين القوى الحزبية الرئيسية.
ثالثًا: ملامح الرؤية الاستراتيجية المطلوبة:
يتطلب التعامل مع التحديات الراهنة والمستقبلية بناء رؤية استراتيجية متكاملة، ترتكز على ما يلي:
١. تعزيز الوحدة الداخلية: عبر تقليص الانقسامات الحزبية والمناطقية، وبناء هوية كردستانية جامعة تقوم على المواطنة، وليس الانتماء الحزبي أو القبلي.
٢. تنويع القاعدة الاقتصادية: من خلال تقليل الاعتماد على النفط وتنمية القطاعات الإنتاجية مثل الزراعة، والصناعة الخفيفة، والسياحة البيئية والثقافية.
٣. تطوير المؤسسة الأمنية: بإعادة هيكلة قوات البيشمركة لتكون قوة موحدة تتبع سلطة مدنية واحدة، مع تحسين التدريب والتمويل وضبط العلاقات المدنية–العسكرية.
٤. سياسة خارجية براغماتية: تقوم على مبدأ التوازن بين الانفتاح الإقليمي والدولي، وعدم الانخراط في سياسات المحاور، مع مراعاة موقع الإقليم ضمن الدولة العراقية ذات السيادة.
هذه المحاور تمثل إطارًا أوليًا لرؤية استراتيجية قابلة للتطوير وفق المعطيات والمتغيرات.
رابعًا: من ساحة للصراع إلى محور للتكامل:
يمكن لإقليم كردستان، عبر تبني سياسات داخلية متماسكة وخارجية متوازنة، أن يتحول من ساحة للصراعات الإقليمية إلى جسر للتواصل الإقليمي والتكامل الاقتصادي. ويتطلب ذلك تطوير البنية التحتية العابرة للحدود، وتوسيع دوره كمركز لوجستي للتجارة والطاقة، مع بناء شراكات إقليمية غير صدامية.
ويمتلك الإقليم، بحكم موقعه وثقافته العابرة للحدود، القدرة على لعب دور الوسيط في حل النزاعات، بما يخدم السلام والاستقرار الإقليمي، شريطة الحياد الإيجابي والتزامه بدوره ضمن المنظومة العراقية والدولية.
خاتمة:
إن قدرة إقليم كردستان على تحقيق موقع إقليمي فاعل تعتمد على مدى نجاحه في معالجة التحديات الداخلية، وتحديد أولوياته الاستراتيجية بواقعية ومسؤولية. ويتطلب ذلك إرادة سياسية موحدة، ورؤية بعيدة المدى تستند إلى قراءة دقيقة للمتغيرات الإقليمية والدولية، وتوازن في العلاقات، يحفظ للإقليم استقلالية قراره دون عزلة، ويصون مكتسباته دون تعارض مع الدولة العراقية.
ففي ظل عالم تتزايد فيه الأزمات والهشاشة الإقليمية، فإن من يملك أدوات التوازن والمبادرة الاستراتيجية هو الأقدر على البقاء والتأثير.