سعد محمد عبدالله
مع حلول العام السادس لتوقيع إتفاقية جوبا لسلام السودان، يتقدم سؤال التنفيذ على سؤال التوقيع؛ فالسلام الحقيقي يُقاس بقدرته على تغيير الواقع وبناء مؤسسات مدنية وعسكرية أكثر عدلًا وإستقرارًا وأمنًا، وقد أرست الإتفاقية مبادئ تتصل بإصلاح الحكم والإدارة، واللامركزية، وسيادة القانون، والمواطنة بلا تمييز، والتنمية المتوازنة للريف والمدينة، والترتيبات الأمنية الشاملة، وقضايا قطاعات الرعاة والمزارعين والنازحين واللاجئين، ومن هنا، فإن النقد المطلوب ليس هدمًا للإتفاق، بل تنويرًا لمساره، يكشف مواطن التعثر ويقترح مخارج عملية للمضي قدمًا في التنفيذ، والمطلوب اليوم إستمرار البناء على منجزات السلام وفق آليات مشتركة، وتحديد الأولويات، ومواصلة الطريق إلى الأمام بإرادة سياسية واضحة، لتظل الإتفاقية أساسًا وطنيًا صلبًا لمعالجة جذور الأزمة السودانية، وتفتح الفضاء أمام حوار سوداني شامل يعيد بناء الثقة والدولة على أسس جديدة.
في الجانب الأمني، تظل الترتيبات الأمنية إمتحانًا مركزيًا لجدية الإنتقال من سلام التفاوض إلى سلام المؤسسات والجماهير؛ فالغاية ليست جمع القوات شكليًا، وإنما بناء منظومة وطنية مهنية موحدة ومتطورة، قوامها الإنضباط والدستور والقانون، بما يجعلها تستوعب تنوع السودان وتحمي وحدة الدولة وسيادتها وكرامة المواطنين دون فرز أو تمييز؛ لذلك ينبغي التعامل معها بواقعية ومسؤولية، وهنا نقول: شكرًا لقيادة الجيش السوداني والجيش الشعبي على إكمال الترتيبات الأمنية، رغم الظروف الصعبة التي مرت بها البلاد، وأعتقد أن المرحلة المقبلة قد تحتاج إلى توحيد الجهود، ومواجهة الأعداء، وتوفير تمويل مستدام، وتدريب مهني، ورقابة ومتابعة شفافة ودائمة لضمان فاعلية أجهزة الدولة؛ كما أن توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية يحتاج إلى إستكمال عمليات دمج قوات حركات الكفاح المسلح والقوات المساندة للقوات المسلحة في معركة الحرية والكرامة؛ لأن إدارة هذا الملف بحكمة ومسؤولية يمكن أن تجعل الإتفاق جسرًا تاريخيًا للعبور نحو دولة تحتكر السلاح المشروع، وتحمي السلام، وتمنع عودة الصراع بأدوات جديدة ومختلفة.
أما في المجال الإداري والتنموي، فإن قيمة إتفاقية جوبا تظهر حين يشعر المواطن بأن السلام وصل إلى حياته اليومية، من خلال الإستقرار، وعودة النازحين واللاجئين إلى مناطقهم، وتنشيط الزراعة والرعي والتجارة والإعمار، وهذا من صميم تفكير الحكومة وحركات الكفاح المسلح التي تواصل النضال في كل المواقع من أجل سودان موحد ومتقدم؛ فالمطلوب تعزيز الحكم اللامركزي، وتمكين الولايات والأقاليم والمجتمعات من إدارة مواردها، وتحقيق المصالحات الإجتماعية، والإستفادة من توزيع الثروة، وإستخدام نسبة 40% من الثروة الكامنة فوق الأرض وتحتها في تنفيذ أولويات التنمية وإعادة الإعمار، كونها شروطًا للإستقرار الإجتماعي وصولاً لتأسيس مستقبل زاهر، وبوصلتنا هنا يجب أن تتجه إلى تحسين التخطيط والشفافية لتحصين السلام والمؤسسية؛ فكل مدرسة تُبنى، وطريق يُصلح، وخدمة تصل بعدالة، تمثل خطوة عملية نحو سودان جديد، وتحوّل الإتفاق من نصوص سياسية تحتضنها الأوراق إلى عقد إجتماعي وثقافي وإقتصادي يشعر المواطن السوداني بحلاوة ثماره.
في المرحلة المقبلة، تبدو الحاجة إلى توحيد وتقوية إرادة السودانيين لتنفيذ البنود المؤجلة، طبقًا للظروف، وتطوير آلياتها ومصفوفاتها بما يستجيب للتحولات التي أصابت السودان، وما يتطلبه الواقع من جهود تضع الأولويات في مقدمة الخيارات الوطنية، ويمكن الإستفادة من الطاقات المجتمعية والنساء والشباب وأصحاب المصلحة، لتحديد ما نُفذ وما تعثر، وأسباب ذلك، وبحث مسارات المعالجة، لمواصلة التنفيذ وفق رؤية واضحة وكما ينبغي أن يكون، ويجب علينا جميعًا مواصلة العمل بهمة ومسؤولية من أجل تعزيز الرقابة والمساءلة والشفافية، والسير بخطوات ثابتة نحو دولة مؤسسات وقانون، وربط أي ترتيبات جديدة بمبادئ المواطنة المتساوية والعدالة والتنمية والسلام وإستقلال القرار السوداني؛ فالتفاؤل هنا ليس تجاهلًا للعقبات، بل إيمانًا بأن السودان يملك فرصة لإعادة بناء نفسه على قاعدة حوار سوداني واسع، وإذا توافرت الإرادة، يمكن لإتفاقية جوبا أن تصبح خطوة تأسيسية نحو سودان جديد، موحد، عادل، ديمقراطي ومستقر.