د.اكرم محمد الفهداوي.
لا يتوقف مستقبل العراق على بقاء القوات الأمريكية أو انسحابها بقدر ما يتوقف على قدرة الدولة على حماية مواطنيها وإدارة أمنها بقرار وطني موحّد. لكن أي تغيير في الوجود العسكري الأمريكي، إذا لم يُخطط له بعناية، قد يفتح أسئلة صعبة عن جاهزية القوات العراقية، وعن قدرة خلايا تنظيم داعش على استغلال الثغرات الأمنية والسياسية.
لقد خسر داعش سيطرته على المدن والأراضي التي أعلنها جزءًا من «خلافته»، لكن هزيمته العسكرية لا تعني اختفاء خطره. فالتنظيمات المتطرفة قادرة على التحول من السيطرة العلنية إلى العمل السري، مستفيدةً من المناطق الوعرة، وضعف التنسيق الأمني، أو شعور بعض المجتمعات بالتهميش. لذلك، فإن التعامل مع بقايا داعش لا يقتصر على ملاحقة المسلحين، بل يتطلب فهم الظروف التي تساعدهم على التجنيد والحركة.
وفي المقابل، لا ينبغي النظر إلى الانسحاب الأمريكي بوصفه سببًا حتميًا لعودة العنف. فالنتائج تعتمد على طريقة تنفيذ الانسحاب، وعلى مستوى استعداد المؤسسات العراقية. وإذا امتلكت القوات العراقية قدرات كافية في جمع المعلومات، وحماية الحدود، والتنسيق بين الجيش والشرطة والأجهزة الاستخباراتية، أمكن تقليل المخاطر. أما الانسحاب السريع من دون ترتيبات واضحة، فقد يترك فجوات قد تحاول الجماعات المسلحة استغلالها.
ويظل الأمن مرتبطًا بما هو أبعد من العمليات العسكرية. فضعف الخدمات، والبطالة، وتأخر إعمار المناطق المتضررة، وتعقيد عودة النازحين، كلها عوامل قد تزيد الإحباط وتضعف ثقة السكان بالمؤسسات. ولا تعني هذه العوامل أن المجتمعات المحلية تؤيد التطرف، لكنها قد تهيئ بيئة أسهل للاستغلال والتجنيد. ومن هنا، تصبح المدارس والمستشفيات وفرص العمل والإدارة المحلية الفاعلة جزءًا من حماية البلاد، لا ملفات منفصلة عن الأمن.
كما أن نجاح العراق في هذه المرحلة يحتاج إلى قرار سياسي متماسك. فالتنافس بين القوى السياسية، وتعدد مراكز النفوذ، والخلافات على إدارة بعض المناطق، قد تعرقل التنسيق الأمني وتضعف ثقة المواطنين بالدولة. وكلما كانت المؤسسات أكثر خضوعًا للقانون والمساءلة، زادت فرص تعاون السكان معها، وهو عنصر أساسي في كشف نشاط الخلايا المتطرفة ومنعها من إعادة بناء شبكاتها.
إن التحدي الحقيقي أمام العراق ليس الاختيار بين الاعتماد الكامل على الخارج أو الاستغناء عنه فورًا، بل بناء شراكات محددة تخدم حاجات البلاد، بالتوازي مع تقوية القدرات الوطنية. ويشمل ذلك وضع ترتيبات واضحة لأي تغيير في الوجود العسكري، والاستثمار في التدريب والاستخبارات وحماية الحدود، إلى جانب دعم الاستقرار وإعادة الإعمار في المناطق الأكثر هشاشة.
في النهاية، لن تُحسم معركة العراق مع داعش بالوجود العسكري وحده، كما لن يحسمها إعلان الانسحاب. ما يصنع الفارق هو دولة قادرة على حماية مواطنيها، وتقديم الخدمات، وتطبيق القانون بعدالة. وإذا نجح العراق في تحويل أي تغيير أمني إلى فرصة لتعزيز مؤسساته، أمكنه تقليص خطر عودة التنظيمات المسلحة وترسيخ استقلال قراره.