نيجيرفان بارزاني.. من حكمة الموقف إلى فلسفة الدولة

د. ضياء عبد الخالق المندلاوي

ليست قيمة الخطاب السياسي في عدد الكلمات التي تقال، وإنما في قدرته على التقاط اللحظة، وتشخيص أسئلة الدولة، وفتح الطريق أمام معالجات تتجاوز حدود المناسبة. ومن بغداد، وفي مناسبة يوم السيادة، جاء خطاب رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني حاملاً جملة من الأفكار التي تتصل بجوهر الدولة العراقية، معنى السيادة، ومرجعية القرار، واحترام الدستور، والعلاقة بين بغداد وأربيل، ومستقبل الشراكة بين مكونات العراق ومؤسساته.

وكان لافتاً أن يقدم بارزاني كلمته باللغة العربية، في خطوة تنسجم مع سياق المناسبة وطبيعة الرسالة التي أراد إيصالها. فقد اختار أن يخاطب العراقيين بلغة جامعة، وأن يضع رؤيته ضمن مفاهيم الدولة والدستور والسيادة والحوار والشراكة، بلغة هادئة ومسؤولة. وهنا لم تكن اللغة مجرد وسيلة للتواصل، بل جزءاً من مضمون الخطاب نفسه، لأنها وسعت مساحة مخاطبته للمجتمع العراقي بمختلف مكوناته.

وفي تقديري، فإن قيمة الخطاب السياسي لا تقاس فقط بما يقوله السياسي، بل أيضاً بالمساحة التي يتركها للآخر كي يفكر ويختلف ويتحاور. فالسياسة حين تفقد هذه المساحة تتحول إلى إدارة للخصومة، بينما تصبح، حين تحافظ عليها، أداة لبناء التفاهم والمؤسسات.

في جوهر كلمته، لم يتعامل نيجيرفان بارزاني مع السيادة باعتبارها مجرد انتهاء لوجود عسكري أجنبي، وإنما وضعها في إطار أوسع يرتبط بقدرة الدولة على امتلاك قرارها، واحتكام مؤسساتها إلى الدستور، وتنظيم العلاقة بين مكوناتها ضمن النظام الاتحادي، وربط ذلك بقرار الحرب والسلام باعتباره من صميم اختصاص السلطة الشرعية للدولة.

وهنا تنتقل الكلمة من مفهوم السيادة إلى سؤال أعمق، ما الدولة التي نريدها؟ وهو سؤال يتجاوز المناسبة إلى صميم التجربة العراقية، لأن الحديث عن القرار والسلاح والدستور والعلاقة بين بغداد وأربيل وحقوق المكونات، مهما اختلفت عناوينه، يعود في النهاية إلى قضية واحدة، كيف تدار الدولة؟

وهذه، في تقديري، هي النقطة الأكثر أهمية في قراءة الخطاب. فالعراق ليس بحاجة إلى إنهاء الاختلاف بقدر حاجته إلى تطوير قواعد لإدارته. فالاختلاف طبيعي في مجتمع متعدد، لكن تحوله إلى أزمة يتوقف على قدرة المؤسسات على احتوائه، وعلى مدى احترام الأطراف للمرجعية الدستورية التي تنظم العلاقة بينها.

ومن هنا جاءت إشارة بارزاني إلى ضرورة حسم الملفات العالقة داخل البيت العراقي، وفي مقدمتها العلاقة بين أربيل وبغداد، وملف السلاح، وحقوق جميع المكونات. وهي ملفات تبدو مختلفة في تفاصيلها، لكنها تلتقي عند مبدأ أساسي، أن تكون الدولة هي الإطار الذي تدار داخله الخلافات، وأن يكون الدستور مرجعية لتنظيم عمل المؤسسات والسلطات.

وفي هذا السياق، لا يمكن النظر إلى العلاقة بين بغداد وأربيل باعتبارها ملفاً سياسياً قابلاً للتأجيل إلى ما لا نهاية، فهي جزء من بنية النظام الاتحادي العراقي. ومعالجة الخلافات بين الطرفين على أساس الدستور لا تعني إلغاء التباين في المواقف، وإنما نقل هذا التباين من مساحة الأزمة المفتوحة إلى مساحة التفاوض المؤسسي والحوار السياسي، بما يحفظ الصلاحيات الدستورية ويعزز انتظام الدولة الاتحادية.

وفي الجانب الأمني، حملت دعوة بارزاني إلى تعزيز التنسيق والتعاون بين البيشمركة والجيش العراقي وسائر القوات المسلحة والأجهزة الأمنية بعداً مؤسساتياً واضحاً. فالتحديات الأمنية تتطلب تكامل الأدوار وتنسيق القدرات، والاستفادة من الخبرات التي راكمتها مختلف المؤسسات والقوات العراقية خلال سنوات مواجهة الإرهاب، ضمن إطار يحفظ للدولة مسؤولياتها.

أما في السياسة الخارجية، فقد طرح بارزاني انتقال العلاقة مع الولايات المتحدة ودول التحالف من منطق المهمة العسكرية إلى شراكة طويلة الأمد ومتوازنة، تشمل الأمن والاقتصاد والاستثمار والطاقة والتعليم والتكنولوجيا والدبلوماسية. وفي هذا الطرح تتسع دلالة السيادة، فهي لا تعني الانغلاق أو العزلة، وإنما قدرة الدولة على بناء علاقاتها الخارجية وفق قرارها الوطني ومصالحها، وبما يحقق التوازن بين الانفتاح والاستقلال.

ولعل هذا من المفاتيح الأساسية لفهم الخطاب كله، السيادة عند نيجيرفان بارزاني ليست جداراً يعزل العراق عن العالم، بل قدرة الدولة على أن تعرف من يقرر، وكيف يقرر، وتحت أي مرجعية، ولأي مصلحة.

ومن هنا يصبح الحديث عن الدولة حديثاً عن المسؤولية قبل أن يكون حديثاً عن السلطة. فالدولة لا تقوى بكثرة مؤسساتها فقط، وإنما بقدرتها على جعل تلك المؤسسات تعمل ضمن قواعد واضحة، وبقدرة القوى السياسية على الاحتكام إلى تلك القواعد عندما تختلف، لا عندما تتفق فقط.

وهذا هو الفارق بين الدولة بوصفها فكرة، والدولة بوصفها ممارسة، أن تتحول المبادئ التي نتحدث عنها في المناسبات إلى قواعد نلتزم بها في لحظات الاختلاف، وأن يصبح الدستور مرجعية للعمل السياسي لا مجرد نص يستدعى عند الحاجة.

وفي النهاية، ربما لا تكمن القيمة الأعمق في أن نيجيرفان بارزاني تحدث بالعربية، ولا في حجم التداول الذي حظيت به كلمته، وإنما في أنها أعادت النقاش إلى جوهر الدولة العراقية، كيف يُدار القرار، وما حدود السلطة، وكيف يتحول الدستور من نص إلى ممارسة، والشراكة من مفهوم إلى واقع؟ وهي أسئلة تتجاوز مناسبة الخطاب، وترتبط بمستقبل الدولة وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء قواعد أكثر استقراراً للحياة السياسية.

وفي السياسة، ليست القوة دائماً في ارتفاع الصوت، بل في القدرة على وضع القضايا الكبرى في كلمات قليلة، وتركها مفتوحة أمام العقل والحوار. وهنا تلتقي حكمة الموقف مع فلسفة الدولة، فحين تصبح الشراكة قاعدة، والدستور مرجعية، والسيادة مسؤولية، يتحول الاختلاف من مصدر للأزمة إلى جزء من قوة الدولة.

وهذه، في جوهرها، هي الرسالة التي حملها نيجيرفان بارزاني من بغداد، عراق قوي بمؤسساته، متنوع بمكوناته، اتحادي بدستوره، ومستقل بقراره، وإقليم كوردستان شريك في بناء هذا العراق، لا بعيداً عنه.

قد يعجبك ايضا
∧