تانيا ملکشاهي
1/2
من «زَرێ» الصامتة إلى السينما المعاصرة.. كيف تحولت الكاميرا الكوردية إلى ذاكرة وهوية وصوت؟
لم تكن ولادة السينما الكوردية مجرد امتداد طبيعي لتطور الفن السابع في العالم، بل جاءت في ظروف تاريخية وسياسية وثقافية استثنائية. فقد عاش الكورد، لعقود طويلة، في ظل واقع جغرافي وسياسي مقسّم بين عدة دول، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على اللغة والثقافة والفنون، ومنها السينما. ولهذا فإن الحديث عن السينما الكوردية لا يعني الحديث عن صناعة سينمائية نشأت داخل حدود دولة واحدة، وإنما عن تجربة سينمائية عابرة للحدود، تشكلت في أجزاء كوردستان الأربعة وفي بلدان المهجر. وتصف دراسات أكاديمية حديثة السينما الكوردية بأنها فضاء عابر للحدود لتشكيل الهوية والتعبير الثقافي والسياسي.
البدايات.. «زَرێ» والصورة الأولى
يعود تاريخ ظهور الثقافة الكوردية على الشاشة إلى عشرينيات القرن الماضي، عندما صُوّر فيلم «زَرێ» (Zarê) في أرمينيا السوفيتية. ويُؤرَّخ الفيلم عادة إلى عام 1926، بينما تذكر بعض المراجع سنة 1927 بوصفها سنة عرضه؛ ولذلك يُستحسن عند الكتابة التاريخية الإشارة إلى أنهأُنجز في 1926 وعُرض لاحقاً. أخرج الفيلم المخرج الأرمني هامو بكنازاريان، وتناول حياة الكورد الإيزيديين في منطقة القوقاز، مستنداً إلى قصة للكاتب هاكوب غازاريان.
وتكتسب «زَرێ» أهمية خاصة لأنها تنتمي إلى مرحلة السينما الصامتة، حين كانت الصورة والحركة والإضاءة والتكوين هي الأدوات الأساسية لصناعة المعنى. وقد مثل الفيلم، بصرف النظر عن الجدل حول تسميته «أول فيلم كوردي»، لحظة مبكرة ومهمة في انتقال الحياة الكوردية من الذاكرة الشفوية والمكتوبة إلى الصورة السينمائية.
وهنا ينبغي التمييز بين الفيلم الأول الذي تناول الكورد وبين الفيلم الأول المصنوع باللغة الكوردية أو من قبل مخرج كوردي؛ فهذه المسألة لا تزال موضع نقاش بين الباحثين، لأن تاريخ السينما الكوردية تشكل في بيئات إنتاج مختلفة.
سنوات الصمت.. حين غابت اللغة عن الشاشة
بعد تلك البداية المبكرة، لم تتحول السينما الكوردية إلى صناعة منتظمة. وكانت الأسباب سياسية واقتصادية وثقافية في آن واحد. ففي الدول التي يعيش فيها الكورد، واجه استخدام اللغة والثقافة الكوردية قيوداً متفاوتة، كما عانى الفنانون الكورد من صعوبة الوصول إلى مؤسسات الإنتاج والتوزيع والعرض.
ولهذا ظل حضور الكورد في السينما لفترة طويلة يتم غالباً من خلال أفلام بلغات أخرى أو من خلال مخرجين يعملون داخل صناعات سينمائية وطنية أكبر. وتشير الدراسات إلى أن ظهور السينما الكوردية كموضوع ثقافي وسياسي مستقل ارتبط ارتباطاً وثيقاً بتاريخ التهميش والرقابة وسياساتالهوية في المنطقة.
وبذلك لم تكن المشكلة في غياب القصص الكوردية، بل في صعوبة امتلاك الأدوات التي تسمح بتحويل هذه القصص إلى أفلام تصل إلى الجمهور.
يلماز غوناي.. عندما أصبحت السينما لغة للمقاومة
يحتل المخرج والممثل والكاتب يلماز غوناي موقعاً استثنائياً في تاريخ السينما الكوردية. فقد بدأ مسيرته السينمائية في تركيا، وحقق شهرة واسعة كممثل، قبل أن يتجه إلى تقديم أفلام أكثر ارتباطاً بالقضايا الاجتماعية والسياسية.
ومن أبرز أعماله فيلم «قطيع» (Sürü) عام 1979، ثم فيلم «الطريق» (Yol) الذي أصبح أحد أهم الأفلام في تاريخ السينما السياسية في المنطقة. كتب غوناي سيناريو «الطريق» أثناء وجوده في السجن، بينما تولى شريف غورين عملية الإخراج وفق توجيهاته. وبعد وصول غوناي إلى فرنسا،استكمل العمل على الفيلم، الذي فاز بالسعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي عام 1982.
لم تكن أهمية «الطريق» في الجائزة العالمية وحدها، بل في الطريقة التي قدم بها حياة الإنسان الكوردي والواقع الاجتماعي والسياسي في تركيا من خلال لغة سينمائية واقعية وقوية. ولهذا أصبح غوناي، بالنسبة إلى أجيال لاحقة من السينمائيين الكورد، شخصية تأسيسية ورمزاً لقدرة السينما على كسر الصمت.
السينما الكوردية بين تركيا وإيران والعراق والمهجر
مع مرور الوقت، بدأت ملامح سينما كوردية أكثر وضوحاً بالظهور، لكن كل جزء من كوردستان شهد مساراً مختلفاً.
في كوردستان تركيا، واجه السينمائيون ظروفاً قاسية بسبب القيود المفروضة على اللغة والهوية الكوردية، فظهرت أعمال كثيرة تحاول التعبير عن التجربة الكوردية بصورة مباشرة أو رمزية. وأسهمت مؤسسات ثقافية، ومنها مركز ميتسوپوتاميا الثقافي (MKM) الذي تأسس في إسطنبول، في توفير بيئة للتدريب وإنتاج الأفلام، وأقيمت فيه ورش سينمائية خلال تسعينيات القرن الماضي.
أما في كوردستان إيران، فقد برز جيل من المخرجين الذين استفادوا من تقاليد السينما الإيرانية الجديدة، مع التركيز على الواقعية والمكان والشخصيات البسيطة.
ويأتي بهمن قوبادي في مقدمة هؤلاء، إذ قدم عبر أفلامه صورة مختلفة عن المجتمع الكوردي، بعيداً عن الصورة النمطية، وجعل من الأطفال والفقراء والمهجرين وشخصيات الهامش أبطالاً لأعماله.
ومن أبرز أفلام قوبادي: «زمن الخيول السكرانة» (A Time for Drunken Horses) عام 2000، و**«أغاني أمي»، و«السلاحف تستطيع الطيران» (Turtles Can Fly)** عام 2004. وقد تناولت أعماله موضوعات الحرب والفقر والحدود والهوية، واستطاعت الوصول إلى جمهور عالمي واسع.
أما في كوردستان العراق، فقد شهدت السينما تطوراً ملحوظاً بعد التحولات السياسية التي شهدها العراق والمنطقة، وخصوصاً بعد عام 2003. وبدأ جيل جديد من المخرجين والكتاب والفنانين يتناول موضوعات الذاكرة والحرب والأنفال والهجرة والعنف وتجربة المجتمع الكوردي في مرحلة ما بعد الدكتاتورية.
وفي الوقت نفسه، لعب الشتات الكوردي دوراً مهماً في تطوير السينما، إذ وجد عدد من المخرجين والمنتجين في أوروبا مساحة أكبر للإنتاج والتوزيع، بعيداً عن القيود التي كانت تواجههم في المنطقة. ومن هنا أصبحت السينما الكوردية، بصورة متزايدة، سينما عابرة للحدود لا ترتبطبمكان واحد.