آناهيتا حمو. كُردستان
لغة الدماغ والروح، الموسيقى عند الكُرد
لقد منحت جبال كُردستان ” مازي، آرارات، هالكورد*،” Halkurd ،مه تين وسيبانه خلاته “، موسيقاها شخصيةً خاصة؛ فهدير الأنهار، وصفير الرياح، وصدى الوديان حول بحيرة وان” ، وصمت القمم المغطاة بالثلوج في فصل الجمال لجمال الربيع، كلها تحولت إلى مقامات وألحان تنبض بالحياة. ولذلك يشعر المستمع أن الطبيعة نفسها تشارك في العزف، وكأن الجبل يعزف على أوتار الصخر، والينابيع تغني مع الناي، والأشجار تصفق للدفوف.
ولأن الموسيقى مرآة الروح، فقد اتسمت الموسيقى الكُردية بثراء مقاماتها الشرقية، مثل “الراست, كورد والنهاوند والصبا والبيات والحجاز”، وهي مقامات تشترك فيها تقاليد موسيقية عديدة في الشرق، لكنها اكتسبت في الأداء الكُردي نكهةً خاصة، امتزجت فيها قوة الجبال برقة العاطفة، فصار لكل مقام لونٌ نفسي، ولكل لحن حكاية إنسانية.
أما الآلات الموسيقية، فهي ليست مجرد أدوات للعزف، بل امتدادٌ لصوت الإنسان. فالطنبور يروي حكايات العازفين، والناي يهمس بأشواق الرعاة، والزرنة تعلن أفراح القرى، والدف يمنح الإيقاع نبضه، بينما يحمل” الدودوك “ذلك الحزن العميق الذي يشبه ضباب الصباح فوق جبال كردستان، حتى ليبدو أن الخشب نفسه يبكي حين يُنفخ فيه.
وقد رافقت الموسيقى الكُردية الإنسان في كل مراحل حياته؛ فهي تستقبل المولود بتهويدة الأم، وترافق الفتى في رقصات أعياد الحرية “نوروج” العيد الوطني الكُردستاني وكذلك تحيي الأعراس، وتؤنس الراعي الكُردستاني في أعالي الحنين، الجبال، وتشد أزر القوي والصامد، المقاتل البشمركَة في ساعات الشدة، ثم تودع الراحل بمراثٍ حزينة تلامس أعماق النفوس. وهكذا أصبحت الموسيقى سجلاً لسيرة الإنسان الكُردي، وحياً كذلك للعادات والتقاليد والبطولات والحنين، وحافظةً للذاكرة الجماعية.
لم تعد الموسيقى في نظر العلم مجرد وسيلة للترفيه، بل أصبحت موضوعاً للدراسة في علم الأعصاب وعلم النفس، لما لها من أثر عميق في الدماغ والجهاز العصبي. فعندما يستمع الإنسان إلى لحنٍ مؤثر، تنشط مناطق متعددة في الدماغ مسؤولة عن السمع والذاكرة والعاطفة والحركة، ويزداد إفراز مواد كيميائية عصبية، مثل الدوبامين المرتبط بالشعور بالمتعة والتحفيز، والإندورفين الذي يخفف الإحساس بالألم، والأوكسيتوسين الذي يعزز مشاعر الألفة والتقارب الاجتماعي، في حين قد تنخفض مستويات الكورتيزول، وهو الهرمون المرتبط بالتوتر.
ولهذا تُستخدم الموسيقى اليوم في بعض برامج العلاج والتأهيل؛ فهي تساعد على تخفيف القلق، وتحسين المزاج، ودعم المرضى في إعادة التأهيل بعد بعض الإصابات العصبية، كما تُسهم في مساعدة بعض المصابين باضطرابات الذاكرة أو صعوبات النطق على استعادة جوانب من قدراتهم من خلال الإيقاع واللحن.
وإذا كان العلم يفسر تأثير الموسيقى بوظائف الدماغ والجهاز العصبي، فإن الأدب يفسرها بلغة القلب. فهي توقظ الذكريات التي نامت في أعماق الزمن، وتعيد الإنسان إلى طفولته، أو إلى حضن أمه، أو إلى وطنٍ غاب عنه، أو إلى لحظة حبٍ لا تزال تعيش في وجدانه. وقد تكفي نغمة واحدة لتستحضر عالماً كاملاً من الصور والمشاعر.
وفي كُردستان، اكتسبت الموسيقى بُعداً وجدانياً وثقافياً عميقاً؛ فهي ليست مجرد ألحان، بل ذاكرة شعب، وصدى جبال، وحكاية أمهات، وأنين رعاة، وأهازيج أفراح، ومراثي وداع الشهداء البشمركَة. وعندما يصدح دودوك و الناي أو الطنبور أو الدف، لا تُسمَع الأصوات وحدها، بل يُستعاد تاريخ طويل من التجارب الإنسانية، فيشعر المستمع أن الأرض نفسها تتكلم بلغتها الخاصة.
إن الموسيقى الحقيقية لا تُغيّر المزاج فحسب، بل تُهذب الذوق، وتغذي الخيال، وتُنمّي الحس الجمالي، وتُقوّي التعاطف بين البشر. فهي مدرسةٌ للصبر في تعلّم الإيقاع، ومدرسةٌ للانسجام في اجتماع الأصوات، ومدرسةٌ للمحبة لأنها تذكّر الإنسان بما يجمعه بالآخرين أكثر مما يفرقه عنهم.
ولعل أعظم ما في الموسيقى أنها تبرهن أن الإنسان، مهما اختلفت لغته أو ثقافته أو دينه، يستطيع أن يبكي على اللحن نفسه، وأن يفرح بالإيقاع نفسه. إنها لغة الإنسانية المشتركة، والرسول الصامت الذي يعبر الحدود دون جواز سفر، ويصل إلى القلوب دون ترجمان، ليؤكد أن الجمال قوة قادرة على مقاومة القسوة، وأن اللحن الصادق قد يداوي جرحاً عجزت الكلمات عن مداواته.
*
جبل هلكورد :
وهو ثاني أعلى قمم الجبال في اقليم كوردستان العراق بعد جبل شيخا دار إذ يبلغ ارتفاعه 3607 فوق مستوى سطح البحر ويقع ضمن سلسلة جبال حصاروست قرب الحدود مع إيران. ويقع في منطقة سكران هلكورد التابعة لقضاء جومان الواقع على الحدود العراقية الإيرانية حيث أعلن قضاء جومان في محافظة أربيل، عن الاستعداد لإنشاء أول محمية طبيعية في العراق بدعم من منظمة نمساوية في منطقة جبلية قرب الحدود مع كل من إيران وتركيا، لكن المشروع يواجه تحديات عدة أبرزها العمليات العسكرية والقصف التي تتعرض لها المنطقة.