جبالٌ تحنّ إلى بنيها.. الأنفال جريمة أبكت صمت الحجر

مظفر مزوري

هناك جرائم في التاريخ لا تقاس بمدى القسوة التي نُفذت بها فحسب، بل بحجم الغدر الذي تغطت به، والعمق الإنساني الذي سُحق تحت أقدام منفذيها. عمليات الأنفال وفي مقدمتها إبادة البارزانيين، لم تكن مجرد إجراء أمني أو عسكري، بل كانت جريمة محوٍ وإبادة لم تُبقِ ولم تذر، نُفذت بدم بارد وحقد أيديولوجي دفين، لتستهدف أمةً في ناسها وجذورها، مستغلة النص الديني لتشريع أفظع جرائم القرن العشرين.

تُعد جريمة إبادة البارزانيين عام 1983 من أبشع الجرائم التي ارتكبت ضد الكورد؛ إذ استهدفت العشائر البارزانية التي تم تهجيرهم في المرحلة الأولى إلى مجمعات قسرية بعيدة. ثم في صبيحة 31 تموز/يوليو 1983، اقتحمت القوات البعثية تلك المجمعات، واعتُقل 8,000 ثمانية آلاف بارزاني من سن 12 سنوات فما فوق، واقتيدوا قسراً إلى جنوب وغرب العراق حيث تم دفنهم هناك تحت التراب وهم أحياء.

تتجلى الوحشية الأشد قسوة في ذلك النقل التعسفي المُرعب؛ لقد أُقتُلع هؤلاء الابرياء قسراً من ديارهم حيث الجبال الشامخة التي تطاول السماء، والوديان الخضراء المترعة بأنسام الرياح، وجداول الماء العذب وأنهار الزاب التي تجري بالحياة، لِيُساقوا في شاحنات حافلة بالخوف والظلمة إلى أرض بلا رحمة، لا شعر ولا ورد ولا جبال ولا أنهار ولا وديان.

هناك، في صحارى جنوب العراق القاحلة التي تلفها عواصف صفراء لعينة، صُدمت أجسادٌ اعتادت ظلال الجبال وندى الصباح بجحيم الرمال والحرارة الحارقة، قبل أن تُقبر أجسادهم النظرة وهي حيّة في خنادق صامتة.

استمرت هذه الجرائم بلا اسم أو عنوان حتى بلغت ذروتها في سنتي (1987-1988)، حين اختار نظام صدام حسين اسم “الأنفال” على سلسلة من الحملات العسكرية ضد المدنيين في كوردستان. وقاد هذه الحملات علي حسن المجيد (ابن عم صدام حسين ومسؤول منطقة كوردستان آنذاك) مستخدماً صلاحيات استئصالية واسعة.

اتبع النظام سياسة “الأرض المحروقة” لحل المسألة الكوردية حلاً نهائياً، واستخدم الأسلحة المحرمة دولياً (غاز الخردل، السيانيد، غاز الأعصاب، والفسفور):

* الضحايا البشرية: أشارت الإحصائيات إلى سقوط 182,000 إنسان مدني بريء، يضاف إليهم الـ 8,000 بارزاني.

* التدمير الديموغرافي: حرق وتدمير أكثر من 2,000 قرية مأهولة بالسكان، وإجبار الأهالي على الترحيل.

* فاجعة حلبجة: قصف مدينة حلبجة بالأسلحة الكيمياوية مما أدى لمصرع 5,000 إنسان مدني بريء في لحظات.

من المعروف أن سورة “الأنفال” نزلت بعد معركة بدر لوصف أحداث المعركة وأحكام الأسرى والغنائم، وهي السورة الثامنة في المصحف بـ 75 آية. لكن النظام العراقي السابق استغل هذه التسمية لتغطية أهدافه العرقية بغطاء ديني، وتبرير محو المكون الكوردي.

ورغم سهولة زيارة أماكن الجرائم واللقاء بالضحايا، تجنب الإعلام العربي والإسلامي الاقتراب من هذه الحقائق؛ تارةً خوفاً على سمعة النظام القومي البعثي الذي اعتبره البعض “ناصراً للسنة”، وتارةً خوفاً من الحمولات الدينية لاسم العملية، وتارةً أخرى بالهروب عبر اتهام الكورد بالعمالة لتغطية الجريمة. كانت سنوات مريرة تحمّل الكورد أوزارها في ظل صمت دولي مريع، ولم يكن أمامهم إلا أن يحملوا بين أضلعهم قلوباً أدمنت النزف وأفواهاً كممها الأوغاد.

منذ عقود والشعر يبكي ضحايا هذه الجريمة، وصرخات الأمهات مستمرة على فلذات أكبادهن، والأطفال ينتظرون آباؤهم الذين دُفنوا أحياء.

متى تعودون؟ صرخة مدوية تنطلق من طول الانتظار… متى يعود الراحلون بلا قبلة باردة؟ أين الأحبة ومتى يعودون؟

في مقابل ذلك التوحش، يقف دليل كوردستان الدائم: الألم، الصبر، القتال، والشهادة. وفي مواجهة الجبروت، كانت المرأة البارزانية والكوردية تقف كالطود الأشم؛ أمهات صرن آباءً في آن واحد، يحملن ثقل الفقد وألم “الانتظار المبهم”، ويربين جيلاً جديداً على الكرامة دون أن تنكسر لهن قامة.

بعيداً عن الأبعاد التاريخية والعاطفية، فإن سلسلة جرائم الأنفال وتغييب البارزانيين تخضع لتكييف قانوني دولي وصارم لا يسقط بالتقادم، وفقاً لـ اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948 (المادة الثانية)، فإن النية القاطعة والأفعال المرتكبة المتمثلة في القتل الجماعي، واستخدام الأسلحة المحرمة، والإخفاء القسري بهدف إهلاك جماعة إثنية كلياً أو جزئياً، تجعل هذه الحملات جرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية مكتملة الأركان (وهو ما أقرت به المحكمة الجنائية العراقية العليا في قراراتها الباتة).

إن الاعتراف القضائي بوقوع الإبادة الجماعية يرتب التزامات قانونية ودستورية مباشرة على الدولة العراقية:

* التعويض المادي والمعنوي الشامل: التزام الحكومة الفيدرالية بتعويض ذوي الضحايا والناجين تعويضاً عادلاً عن الخسائر البشرية والاقتصادية والنفسية.

* إعادة الاعتبار والتطهير البيئي: تأهيل كافة المناطق والقرى المتضررة وجبر الأضرار الناجمة عن سياسات الأرض المحروقة والتغيير الديموغرافي.

* الحقوق الدستورية والقومية: إن استهداف الشعب الكوردي على أساس قومي يرسخ الحق القانوني والدستوري للشعب الكوردي في إدارة شؤونه وضمان الضمانات الدولية والدستورية الحاسمة التي تمنع تكرار سلوكيات الإبادة والاستبداد مستقبلاً.

تتوالى السنون وتتبدل الأيام، لكنّ الوقت في ديار الضحايا ينقبضُ ويقفُ مشدوداً عند تلك اللحظة التي غاب فيها الأحبة. 43 عاماً أو يزيد، ولم تزل النوافذ في كوردستان شواهدَ صامتة على أمهاتٍ أضناهنَّ السهر، وزوجاتٍ شخنَ في ثياب الانتظار، وأطفالٍ كبروا وهم يحملون في مخيلاتهم صوراً ضبابية لآباءٍ لم يكتحلوا برؤيتهم.

إنها الفاجعةُ التي لا تندمل؛ فالموتُ المعلَنُ يستريحُ أهله بعد الدفن، أما “الفقدُ المبهم” فهو موتٌ يتجدد مع كل إشراقة شمس ومع كل زخة مطر. صرخاتُ الأمهاتِ ما زالت تتردد في صحارى الموت النائية، تسألُ الرمالَ الصفراء والرياحَ اللعينة: متى يعود الراحلون؟ وكيف ينامُ الفتى في ترابٍ غريبٍ بلا وسادةٍ ولا شجر؟
لقد رحلوا دون قبلةِ وداعٍ باردة، ودون أن تُسفر لَهم الجبالُ عن أغطيتها، لكنهم لم يرحلوا من الروح. ستظل تلك الأرواحُ الزكية، التي غُيبت ظُلماً تحت التراب وهي حية، شعلةً ناصعة في وجدان الأمة الكوردية، وستبقى دموعُ الأمهات ونظراتُ الأطفال المنتظرين شواخصَ إدانةٍ أبدية بوجه الوحشية، وشاهداً حياً على أن الجسد قد يُقبر في الصحراء… أما الكرامة والذاكرة، فلا تدفنُهما كلُّ رماد الأركون ولا صحارى الظالمين.

قد يعجبك ايضا