ابو نؤاس الجاهلي

د . صباح ايليا القس

 

ربما يتبادر الى الذهن كيف يكون ابو نؤاس جاهليا ؟هل كان هناك شاعر جاهلي قد سبق بهذا اللقب ؟علينا أن نعترف ان المقصود هنا ليس شخصية  الشاعر وحضوره الزمني ولكن القصد من هذا العنوان ما جاء في اسلوبه الشعري من موصافات جاهلية ولا يعد هذا عيبا في التقليد الادبي وهو الذي ثار على السير بحسب معطيات ومتطلبات القصيدة الجاهلية التي تبدأ بوصف الاطلال والبكاء على الديار ثم الرحلة والناقة وصفاتها ومواضيع اخرى حتى تصل القصيدة الى الغرض المهم وهو الذي اعاب على الشعراء الجاهليين البكاء على الاطلال بقوله :

قلْ لمن يبكي على رسم درسْ     ما ضرّ لو كان جلسْ

والرسم هنا تعني الديار ودرس اي أصبح قديما متهدما ومتروكا وكان الجاهليون يستذكرون بوساطة هذه الأثار على ما تركه الاحباب .

وابو نؤاس هنا يطعن في مثل هذا الخيال بشكل قبيح اذ انه يجعل من هذا المكان المقدس عند الشعراء الجاهليين موضعا لقضاء الحاجة وهذا قمة الاستهزاء والهجاء . فهو الذي طالب بترك الصيغ القديمة والانفتاح على الاسلوب العصري ويقصد زمنه اي العصر العباسي وما فيه من انفتاح وحضارة .

نعم مارس ابو نؤاس طرائق الاقدمين على سبيل التقليد والمباهاة بأنه قادر على مجاراة الشعراء الاولين في لغتهم واساليبهم وحتى موضوعاتهم ..

الدارسون يضعون ابا نؤاس في عداد المجددين وهو الذي دعا الى التجديد بنفسه لكنه يحب العودة الى القديم لا سيما في المديح والرثاء والطرديات اي الصيد بل ويعود الى القديم كلما دعته الحاجة الى ذلك .

ففي المديح تراه يفتتح قصيدته بعتاب الديار الخالية وتذكر الآثار والمواضع يقول في مدح الفضل بن الربيع:

لمن ومن تزداد حسن رسوم            على طول ما أفوت وطيب نسيم

وفي قصيدة اخرى في مدح الفضل بن الربيع يقول :

لمن طلل أشجه وشجاني       وهاج الصبا لو هاجه الاوان

فنراه في مطلع هذا البيت قد ذكر ( الطلل ) والطلل هو ما يبقى من آثار القوم الذين تركوا ديارهم .. ومن المعروف ان الجاهليين كانوا يكثرون التنقل في ارض الله بحثا عن العشب والماء فاذا أقفر المكان بحثوا عن آخر تتوافر فيه متطلبات العيش .

وفي مجال الرحلة التي يتطلبها السفر بحثا عن المكان او الحبيبة يخاطب الدار الخالية بعد أن رحل عنها اهلها ويقصد الحبيبة او غيرها كالممدوح مثلا يقول :

يا دار ما فعلت بك الايام       لم تبقِ منك بشاشة تستام

وحيث انه سار على التقليد وهو من شعراء التجديد فإنه يجد لذة في الاستذكار والغرف من مخزونه الذي تربّى عليه من الشعر القديم قبل ان يكون او يصير مجِّددا ؟

نعم يجوز ا يكون المجدد قديما للاستعراض والقدرة لا سيما انه يشتمل على قابلية شعرية حساسة وفي المواقف لاحقا وعند الحاجة في المناسبات المعروفة .فالشعر كما يعرّفه الجاحظ صنعة ومهنة وطالما انه صنعة ومهنة فمعنى هذا ان الشاعر قادر على التنقل بين العصور لصناعة قصيدة يكون لها حضورها المتميز في حين تعجز الاساليب الأخرى عن جعله متميزا في بعض المواقف .

قد يعجبك ايضا