زهرة النيل: كيف تحولت الوردة الجذابة إلى كابوس للبيئة العراقية

متابعة ـ التآخي

عند الوقوف على ضفتي نهري دجلة والفرات، يمكنك رؤية مجموعة من النباتات الخضراء ذوات الأوراق السميكة، تطفو فوق مياه النهرين، تتوسطها زهور جذابة المنظر لونها بنفسجي فاتح، يطلق عليها اسم “زهور النيل”. وقد أعلن وزير الموارد المائية العراقي، مثنى التميمي، انتشار هذه الزهور في خمس محافظات عراقية في المدة الأخيرة.

يخفي المظهر الجذاب لهذه الزهرة أضرارا بيئية تهدد موارد العراق المائية، وثروته السمكية، ومحاصيله الزراعية. فما قصة هذه الزهرة، وكيف دخلت إلى العراق، وما سبل مكافحتها؟

يعد الموطن الأصلي لهذه الزهرة، قارة أمريكا الجنوبية، وبخاصة حوض نهر الأمازون في البرازيل، وقد بدأت تنتشر في عديد الدول، وبخاصة المناطق الاستوائية والحارة شبه الاستوائية، بحسب ندوة علمية نظمتها كلية الزراعة بجامعة ديالى العراقية.

وقد أدخلت “زهرة النيل” إلى العراق لأول مرة، في منتصف ثمانينات القرن العشرين، وظهرت آنذاك كنبات زينة في بعض المشاتل بمحافظة بغداد. وحينها أُخذت من المشاتل، ووُضعت على ضفاف قناة الجيش، وهو ممر مائي صناعي شرقي بغداد يصب في نهر ديالى، ثم نُقلت تدريجيا إلى نهر ديالى، وأخيرا إلى مصب نهر دجلة، بحسب متحف التاريخ الطبيعي في العراق، التابع لجامعة بغداد.

ويقول الدكتور خطاب الضامن، الخبير الاقتصادي الزراعي، إن زهرة النيل تظهر في العراق في أثناء فصل الصيف في شهري حزيران، وتموز، في الطقس الحار في العراق الذي يحاكي بيئة هذه الزهرة الاستوائية. ويوضح قائلا “عندما ينخفض منسوب مياه الأنهار، ويضعف جريانها، تأخذ الزهرة دورها الحيوي، وتنمو وتنتشر بسرعة كبيرة”.

ومؤخرا، ضجت وسائل التواصل الاجتماعي بتسجيلات تُظهر مواطنين يستعملون كاسحات عشب يدوية لإزالة الزهرة من على سطح المياه في الأنهار.

وفقا لعادل المختار، المستشار السابق للجنة الزراعة في البرلمان العراقي: “إذا ظلت زهرة النيل منتشرة، ستؤثر على الكائنات الحية في الأنهار، وستحجب عنها أشعة الشمس”.

ويوضح الدكتور خطاب الضامن أنه عندما تحجب زهرة النيل ضوء الشمس أو أشعتها، فإنها “تضر بالتنوع البيولوجي في النهر، حيث يوجد الكثير من النباتات المائية التي تحتاج إلى ضوء الشمس لممارسة حياتها”. ويردف أن “زهرة النيل تسد قنوات المياه في الأنهار، وتمنع وصول كميات كبيرة من المياه إلى المحاصيل الزراعية. كما أنها تقلل كميات المياه، التي تصل إلى محطات التصفية والتحلية”.

ويرى كل من عادل المختار، وخطاب الضامن، أن انتشار زهرة النيل في العراق لم يصل إلى مرحلة خطيرة، وأن الأمر بحاجة فقط إلى تكثيف جهود الجهات الحكومية المعنية للسيطرة عليها.

وقد أعلنت وزارة الموارد المائية عن خطة طوارئ للتخلص من النباتات الضارة، وتنظيف المجاري المائية، لضمان انسيابية جريان المياه في الأنهار والسدود، من بينها إزالة نبات زهرة النيل بتشغيل رافعات وحفارات متخصصة. ونشرت وزارة الموارد المائية العراقية تسجيلا مصورا يظهر عمل الوزارة في إزالة زهرة النيل من سد الكوت بمحافظة واسط.

يرى الدكتور خطاب الضامن أن هناك أكثر من وسيلة لمكافحة الزهرة، كالوسائل الميكانيكية، من بينها استغلال الرافعات والحفارات، والآلات الأخرى لإزالة الزهرة واقتلاعها من الأنهار. وهناك أيضا الوسائل الكيميائية، عن طريق استعمالبعض المواد التي تقضي على تلك الزهرة، لكن هذه الوسيلة لها محاذير، لأنها قد تضر ببعض النباتات الأخرى، غير أن المستشار السابق للجنة الزراعة في البرلمان العراقي عادل المختار، يرى أن هناك حلولا أقوى، وطرق مكافحة طبيعية، مثل “تنمية تكاثر سمك الأقراص الذي يتغذى على زهرة النيل”، فضلا عن تشغيل زوارق تعرف باسم “الفرامة”، وهي تفرم هذه الزهرة وتتخلص منها نهائيا.

ويرى الدكتور خطاب الضامن أن استغلال سمك الأقراص “قد لا يؤدي إلى نتائج سريعة أو مستدامة، لأنه من المعروف أن النهر في جريان مستمر، وجلب هذه الأنواع من الأسماك بحاجة إلى وقت أكثر”، للقضاء على زهرة النيل.

ويعاني العراق منذ سنوات من انخفاض متواصل في الحصص المائية عبر نهري دجلة والفرات، بسبب سد إيليسو التركي الذي بُني عند منبع نهر دجلة، والسدود التركية الأخرى التي بنيت على روافد أصغر. كما أدى تدني كميات الأمطار التي تسقط على البلاد في السنوات الماضية إلى تفاقم أزمة المياه في العراق.

وفي عام 2018، حظرت الحكومة زراعة الأرز والذرة الصفراء، التي تستهلك كميات كبيرة من المياه بسبب الجفاف وتقلص تدفق المياه العذبة، ثم ألغت الحكومة الحظر المفروض على زراعة الأرز في عام 2022.

ويقول عادل المختار إن انتشار زهرة النيل لن تزيد الجفاف في العراق، ويوضح قائلا: “هذه السنة كانت ثاني أكثر سنة ممطرة منذ 10 سنوات، وأصبح مخزون المياه جيدا جدا، ولن تؤثر هذه الزهرة بأي حال من الأحوال على الفلاحين، ولكن يجب استئصالها لمنع أي أضرار تسببها، ويمكن القضاء عليها في شهر أو شهرين”.

كما يوضح الدكتور خطاب الضامن “أن العراق واجه موجات جفاف مستمرة فيالسنوات الماضية، باستثناء عام 2019، حينما كان هناك هطول لكميات كبيرة من الأمطار، وبالتالي زاد تخزين المياه في السدود، وانتعش الوضع المائي”، ولذلك لن يكون هناك تأثير كبير لزهرة النيل على مخزون المياه في العراق

قد يعجبك ايضا