الاستاذ الدكتور
نزار الربيعي
إن الإنسان لا يملك أن يختار لحظة قدومه إلى هذه الدنيا، كما لا يملك أن يؤخر ساعة رحيله عنها، غير أنه يملك – في المسافة الفاصلة بين الميلاد والمغيب – أن يصنع المعنى الذي سيبقى بعد غيابه، وأن يخط بيده السيرة التي ستتناقلها القلوب قبل الألسنة. فالعمر، في حقيقته، ليس عدد السنوات التي يعيشها المرء، وإنما مقدار الخير الذي يتركه في نفوس الناس، وحجم المحبة التي يغرسها في القلوب، والأثر الذي يبقى شاهدًا عليه عندما تنقطع أخباره وتغيب ملامحه عن الأبصار. وما أكثر الذين امتدت بهم السنون ثم انطفأ ذكرهم بانطفاء حياتهم، وما أكثر أولئك الذين عاشوا في هدوء بعيدًا عن صخب الدنيا، لكنهم بقوا حاضرين في الذاكرة لأنهم اختاروا أن تكون أخلاقهم رسالتهم، وأن يكون لطفهم مع الناس عنوانًا لحياتهم.
ولعل أعظم ما يميز الإنسان الصالح أنه لا يغادر الدنيا تمامًا، لأن حضوره الحقيقي لا يرتبط بالجسد، وإنما بما يتركه من أثر في الأرواح. فالابتسامة التي رسمها على وجه حزين، والكلمة الطيبة التي قالها في وقت الشدة، والموقف النبيل الذي وقف فيه إلى جانب محتاج، والرحمة التي أحاط بها من حوله، كلها تتحول بعد الرحيل إلى ذاكرة لا يطويها الزمن، وإلى شهادة صامتة يرددها الناس كلما ذُكر اسمه بخير. وهكذا تصبح حياة الإنسان الصالح أطول من عمره، لأن أعماله تظل تنبض بالحياة في وجدان الآخرين، ولأن الذكر الجميل يمتلك قدرة عجيبة على مقاومة النسيان، فيبقى حاضرًا جيلاً بعد جيل، وكأن صاحبه لم يغادر المكان إلا بجسده.
ومن هنا كانت الأخلاق أعظم ميراث يمكن أن يتركه الإنسان بعد رحيله، لأنها وحدها التي لا تفقد قيمتها بتقادم الزمن، ولا تنقصها الأيام مهما تعاقبت. فالمال يورث ثم يتفرق، والمناصب تنتهي بانتهاء أصحابها، أما السيرة الطيبة فإنها تبقى راسخة في الضمير الإنساني، تتناقلها الأجيال بوصفها قصة إنسان عاش كريمًا ورحل كريمًا، ولم يطلب من الدنيا سوى أن يترك فيها أثرًا يرضي الله ويبعث الطمأنينة في نفوس عباده. ولهذا لم يكن غريبًا أن يعد الحكماء حسن الذكر أعظم ما يناله الإنسان في حياته وبعد مماته، لأنه ثمرة عمرٍ امتلأ بالصدق والإخلاص والإحسان.
وفي هذه المعاني السامية تستحضر القلوب بكل إجلال ذكرى السيدة الفاضلة الراحلة سردشت، ابنة حضرة السلطان الخليفة محمد المحمد الكسنزان، وشقيقة الشيخ شمس الدين نهرو الكسنزاني، التي انتقلت إلى رحمة الله بعد أن تركت في نفوس من عرفها صورةً يغلب عليها الوقار، والهدوء، ودماثة الخلق، وحسن المعاملة، وهي الصفات التي لا تُكتسب في يوم أو عام، وإنما تتكون عبر سنوات من التربية الصالحة، والبيئة الكريمة، والإيمان بأن قيمة الإنسان تقاس بما يمنحه للآخرين من احترام ورحمة ومحبة. ولذلك فإن الحديث عنها لا ينطلق من مجرد استذكار مناسبة حزينة، بل من الرغبة في الوفاء لذكرى إنسانة بقيت صورتها الطيبة حاضرة في وجدان أهلها ومحبيها، لأن أصحاب القلوب النقية لا يغيبون عن الذاكرة مهما ابتعدت بهم الأيام.
وليس من قبيل المصادفة أن ترتبط السيرة الحسنة بالبيوت التي جعلت من القيم والأخلاق أساسًا في بناء أبنائها، فالإنسان ابن بيئته كما هو ابن زمانه، وما يتلقاه في سنواته الأولى يظل يرافقه حتى آخر العمر. ومن هنا يبرز أثر الأسرة الكسنزانية الكريمة، التي ارتبط اسمها في الذاكرة العراقية والكردستانية بإرث ديني واجتماعي طويل، وبجهود معروفة في الدعوة إلى الاعتدال، وتعزيز روح المحبة والتسامح، وخدمة المجتمع، وتقوية أواصر الأخوة بين الناس. ولم يكن هذا الحضور نابعًا من مكانة اجتماعية فحسب، بل من عمل متواصل جعل من الأخلاق والرحمة والتواضع قيمًا حاضرة في تعاملها مع مختلف فئات المجتمع، حتى أصبحت هذه القيم جزءًا من الصورة التي يحملها عنها كثير من الناس.
وفي ظل هذه البيئة الأصيلة تشكلت شخصية الراحلة، فانعكست في سلوكها تلك المعاني التي تجعل الإنسان قريبًا من القلوب من غير تكلف، ومحبوبًا من غير سعي إلى شهرة أو ظهور. فالنفوس الطيبة لا تحتاج إلى ضجيج لتُعرف، وإنما يعرفها الناس بما تبثه من سكينة، وبما تمنحه من احترام، وبما تتركه من أثر هادئ لا تزيله الأيام. ولذلك فإن استذكارها اليوم ليس مجرد وقوف عند لحظة الفقد، وإنما هو تأمل في قيمة الإنسان حين يجعل من حياته رسالة أخلاقية صامتة، وفي معنى البقاء الحقيقي الذي لا يتحقق بطول العمر، بل بحسن السيرة، وصفاء القلب، ودوام الذكر الجميل.
وهكذا، فإن الراحلين الذين عاشوا للخير لا تنتهي حياتهم عند حدود القبر، بل تبدأ مرحلة أخرى في ذاكرة الناس، حيث تتحول أعمالهم إلى دعاء، وسيرتهم إلى قدوة، وأسماؤهم إلى رمز للوفاء والخلق الكريم. وتلك هي الحياة التي تستحق أن تُخلَّد، لأنها لم تُبنَ على ضجيج الدنيا، وإنما على الصدق مع الله، والإحسان إلى عباده، والإيمان بأن خير ما يتركه الإنسان بعد رحيله قلب أحبه الناس، ولسان دعا له بالرحمة، وسيرة بقيت تنير الطريق لكل من عرفه أو سمع عنه.
وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة.