تزرين يعقوب سولا
اللغة السريانية لغة سامية مشتقة من اللغة الآرامية، نشأت في الألف الأولى قبل الميلاد، وكانت العائلة الثالثة ضمن عائلة اللغات السامية، وأصبحت من القرن السادس قبل الميلاد لغة التخاطب الوحيدة في الهلال الخصيب واستمرت كذلك إلى ما بعد الميلاد، ثم تدرجت واكتسبت اسمها الجديد “اللغة السريانية” في القرن الرابع تزامنا مع انتشار المسيحية في بلاد الشام.
والسريانية هي اللغة الأم لطوائف الكلدان والسريان والاشوريين ، وقد انتشرت في العراق وسوريا خاصة.
تكتب اللغة السريانية بالأبجدية السريانية المؤلفة من 22 حرفا،
وتكتب من اليمين إلى اليسار ومن أعلى الصفحة إلى أسفلها، حيث سادت بين معظم شعوب الشرق حتى أواخر القرن السابع للميلاد، ثم أخذت اللغة العربية تحل محلها.
ولكن لهجاتها ظلت متداولة، وقد تسرب كثير من مفردات وقواعد اللغة الآرامية/السريانية إلى اللغة العربية المحكية، وشاعت في بعض اللهجات العربية المتداولة .
وبالرغم من هذا فالسريانية لم تقتصر عليهم فقد استخدمها العديد من رجال الدين المسيحيين في كتاباتهم كالعرب (إسحاق النينوي وإيليا الحيري) والفرس (أفراهاط الملقب بالحكيم الفارسي) والأرمن (ميسروب ماشدوتس وإسحاق الأرمني) والترك (يشوعداد المروزي)، كما أصبحت اللغة الطقسية لبعض القبائل المنغولية التي اعتنقت المسيحية قديما، ومسيحيو كيرالا بجنوب غرب الهند. ويشير الباحثون إلى اتصال دائم بين اللغة السريانية واللغة العربية بنتيجة الهجرة والتبادل التجاري والثقافي بين بلاد الشام وشبه الجزيرة العربية، غير أن التمازج الأعمق بين اللغتين لم يتم إلا في أعقاب قيام الدولة الأموية، فخلال المرحلة الأولى ظلت السريانية لغة الدواوين وهيئات الدولة حتى عهد عبد الملك بن مروان، وإثر تعريب الدواوين ظلت السريانية لغة التخاطب الوحيدة بنسب متفاوتة في القرى والمدن السورية عمومًا حتى العهد المملوكي في القرن الثاني عشر حينما سيطرت اللغة العربية كلغة تخاطب بين أغلبية السكان، وظلت كذلك بين الموارنة في جبل لبنان حتى القرن السادس عشر. كما حلت العربية مكان السريانية كلغة كتابة في مدن العراق الوسطى منذ القرن الثالث عشر.
واعتبرت اللغة السريانية ردحًا طويلاً من الزمن لغة العلوم والفنون والآداب، خصوصًا في مدينة الرها (أورفة حاليًا في تركيا) والتي نشأت بها بنوع خاص، أولى المدارس السريانية.
اما أصل التسمية
فان أقدم الوثائق السريانية يذكر بها مصطلح «اللغة السريانية» بدلاً من «اللغة الآرامية» يعود للعام 132 في الرها، حيث تأسست مملكة الرها التي حكمتها عائلة الأباجرة والتي ينسب اليها التقليد الكنسي . تعتبر مملكة الرها أول مملكة مسيحية في العالم، وقد اعتبرت اللغة السريانية لغتها الرسمية، ولا يزال الباحثون حتى اليوم يعتبرون أن الرها هي مهد اللغة. هناك عدد من النقوش التي تعود للفترة المبكرة ذاتها والتي تشير إلى انتشار اللغة والأبجدية السريانية بدلاً من الآرامية القديمة، بيد أن اللغة السريانية لم تصبح لغة العموم حتى قبل القرن الرابع والقرن الخامس، فسريانية القرون الثلاث الأولى أشبه بالآرامية التقليدية منها إلى السريانية الحديثة، ما يؤيد نظرة بعض الباحثين باعتبار اللغة السريانية تطورًا طبيعيًا للغة الآرامية، في حين ينحو البعض الآخر لاعتبارها أحد لهجاتها.
اللغة السريانية لعبت دورًا تاريخيًا وثقافيًا مهمًا في منطقة الشرق الأوسط. وإن إرثها ما زال محفوظًا في النصوص الأدبية والعلمية القديمة، ويمثل تذكيرًا بدور السريان في إثراء الثقافة والعلم في العالم القديم.
ازدهرت اللغة السريانية بشكل خاص في الفترة من القرن الثالث حتى القرن السابع الميلادي، حيث كانت بمثابة لغة ثقافية وعلمية في المنطقة. تأسست العديد من المدارس والمؤسسات التي اعتمدت على اللغة السريانية كلغة للتعليم، مثل مدرسة الرها ومدرسة نصيبين. كانت السريانية أيضًا لغة مهمة للأدب والفلسفة، حيث أنتج الأدباء السريان العديد من الكتب في مجالات الفلسفة، اللاهوت، الشعر، والتاريخ.
وكانت اللغة السريانية إحدى اللغات الرئيسية المستخدمة في ترجمة ونقل العلوم اليونانية إلى العالم العربي، خاصة في مجالات الطب والفلسفة والفلك. ترجمت العديد من الكتب اليونانية إلى السريانية، من بينها أعمال أفلاطون وأرسطو وجالينوس. كان للسريان علماء مميزين في مجالات الطب، وساهموا في إثراء المعرفة الطبية عبر الترجمة والتأليف. تعتبر مدرسة جنديسابور من أبرز الأمثلة على دور السريان في نقل العلوم، حيث كان السريان من العلماء الرئيسيين فيها وأسهموا بشكل كبير في ترجمة النصوص العلمية من اليونانية إلى السريانية، ومن ثم إلى العربية، مما ساهم في ازدهار العلوم انذاك.
المراجع :
١-اللغة الآرامية، لهجاتها وفروعها، أخبار السريان، 29 تشرين الثاني 2010. نسخة محفوظة 2023-05-27 على موقع واي باك مشين.
٢- اللمعة الشهية في نحو اللغة السريانية، المطران إقيليمس يوسف داوود مطران دمشق وتوابعها للسريان الكاثوليك.
3-Gzella، Holger (2015). A Cultural History of Aramaic
٤-مجلة الشرق المسيحي عدد4 صفحة 363 وعدد1 صفحة 106-108 لعام 1980).