عزيز ملا هذال
المرونة الواعية في الفضاء الزوجي ليست مجردتنازل عابر أو خيار سلوكي مؤقت، بل هيالاستراتيجية المعرفية الأكثر أهمية لإعادة توازنالمنظومة الأسرية، والاستثمار في هذه المرونة لايحمي الشراكة الزوجية من الانفصام فحسب، بليمتد ليصوغ النواة الصلبة للمجتمع من خلال تنشئةأبناء يمتلكون نمط تعلق آمن وحصانة نفسية…
الشراكة الزوجية مثلها مثل أية شراكة قد تسيربسلاسة وبدون مشكلات، وقد تعترض تقدمها بعضالأشواك التي قد تهددها بالانفصام إن استمرت مندون التوصل إلى نقاط تفاهم مشتركة. وما يحتاجهالطرفان في العلاقة الزوجية لكي تدوم علاقتهما هوالمرونة التي تخفف ثقل التعارض والتناحر وغير ذلكمما يحدث في العلاقات الزوجية. فما هي أشكالالمرونة في العلاقة الزوجية؟ وما هي آثارها؟
تعد العلاقة الزوجية واحدة من أعمق الروابطالإنسانية وأكثرها تعقيداً؛ فهي ليست مجرد عقداجتماعي أو عاطفي يجمع بين شخصين، بل هيمنظومة ديناميكية متكاملة تتطلب رعاية مستمرةوتطويراً ذاتياً مشتركاً. ففي ظل تسارع ضغوطالحياة المعاصرة لم يعد الحب وحده كافياً لضماناستمرار البيوت، بل أصبحت هناك حاجة ملحة إلىهندسة نفسية تعتمد على ركيزة المرونة النفسية.
قصة من الواقع: أثر غض الطرف
عائلة حسين كانت تعلوها المشكلات لأتفه الأسبابوأقلها، وكانت تخرج مشكلاتهم عن إطار العائلةلتصل إلى الجيران وإلى أهل الزوجين مما يعقدالأمر، وكل ذلك يحصل بنسبة كبيرة بسبب عدمتنازل أحد الطرفين لتمرير ما يحصل من تقصير أوإساءة من هذا الطرف أو ذاك.
وبعد سنوات عصيبة عاشوها، أدرك حسين أهمية أنيغض الطرف عن بعض المشكلات التي قد ينفع غضالطرف عنها في إخماد جذوتها، وبالفعل جرب أنيكون مرناً أكثر من ذي قبل، وبدأت الكثير من الأمورتتيسر من دون مشكلات، وكل هذا بفعل المرونة التيتسيدت العلاقة.
المرونة: العمود الفقري للصحة النفسية
إن المرونة في العلاقة الزوجية ليست ترفاً يمارسهالأزواج أو خياراً ثانوياً، بل هي العمود الفقريللصحة النفسية الأسرية. إنها الممارسة الواعيةواليومية التي تحول الزواج من كونه مصدراً لإنتاجالضغوط والاحتقان، إلى ملاذ آمن للنمو والتعافيالنفسي الذي يدفع باتجاه إنتاج نمط حياتي سلميومتوازن.
فعندما يتخلى الزوجان عن رغبة التملك وهوسالسيطرة، ويستثمران في تفعيل المرونة المعرفيةوالسلوكية في تفاصيل حياتهما؛ فإنهما لا يضمنانفقط استدامة رابطتهما الزوجية بنضج، بل يقدمانللمجتمع النواة الأكثر صلابة وأماناً، وذلك يتمثلبإنجاب أبناء أصحاء نفسياً يمتلكون المهاراتوالصلابة الكافية لمواجهة تحديات الحياة المعاصرةبوعي واتزان.
انعكاسات المرونة الواعية في العلاقات الزوجية
تترك ممارسة المرونة الواعية في الحياة الزوجية آثاراًعلاجية ووقائية ملموسة على الصحة النفسيةللزوجين والأبناء بالدرجة الثانية، ولعل من أهم هذهالانعكاسات ما يلي:
بناء بيئة آمنة نفسياً: العيش في بيئة زوجية صارمةتجعل الفرد دوماً في حالة ترقب وحذر، بحيث يضطرإلى التدقيق في كل كلمة أو تصرف لتفادي النقد أوالمواجهة، يؤدي بمرور الوقت إلى الاحتراق النفسي. من جهة أخرى، تساهم المرونة في بناء بيئة آمنةنفسياً، حيث يشعر كل شخص بالحرية ليتصرفعلى طبيعته دون قلق من سوء الفهم أو الخذلان،وهذا النوع من الأمان يعزز من احترام الذات ويعملكحاجز وقائي ضد الاضطرابات النفسية مثل القلقوالاكتئاب الناتجة عن التراكم المستمر للضغوطالداخلية.
كسر حلقة الخراب النفسي: ففي النزاعات تظهرسلوكيات النقد الهدام والازدراء والدفاع عن النفسبطريقة هجومية، والصمت العقابي هي المؤشراتالأولى لانهيار العوائل. وهنا تؤدي المرونة دور المضادالحيوي لهذه الفرسان الأربعة؛ فهي تستبدل النقدالهدام بـ“الشكوى البناءة بصيغة المتكلم“، وتكسرالصمت العقابي عبر طلب هدنة مؤقتة لتنظيم الجهازالعصبي فسيولوجياً، ثم العودة للنقاش بنضج، ممايحمي الذاكرة العاطفية للعلاقة من الندوب المزمنة.
تشكيل التعلق الآمن للأبناء: تعمل المرونة بين الأزواجعلى تشكيل التعلق الآمن للأبناء، فعندما يشهدالطفل والديه يحلان خلافاتهما باحترام ويتعاملانمع التحديات بمرونة، يتعلم بشكل غير مباشر أنالعالم مكان مستقر وآمن، وأن الصعوبات يمكنتجاوزها، وهذا ما يسهم في تعزيز شعورهبالطمأنينة ويحميه من قلق الانفصال والمخاوفالمرتبطة بوجود الإنسان.
خاتمة
أخيراً، يتبين لنا أن المرونة الواعية في الفضاءالزوجي ليست مجرد تنازل عابر أو خيار سلوكيمؤقت، بل هي الاستراتيجية المعرفية الأكثر أهميةلإعادة توازن المنظومة الأسرية. والاستثمار في هذهالمرونة لا يحمي الشراكة الزوجية من الانفصامفحسب، بل يمتد ليصوغ النواة الصلبة للمجتمع منخلال تنشئة أبناء يمتلكون نمط تعلق آمن وحصانةنفسية تمكنهم من مواجهة تحديات الوجود بوعيواتزان.