المناخ والنفس: خيوط خفية تحرك السلوك الإنساني

عزيز ملا هذال

الطقس لا يقتصر على كونه ظاهرة جوية خارجحدود الجسد، بل هو عامل ديناميكي يتفاعل معالجهاز العصبي، ويؤثر على الحالة المزاجية،ويتدخل غالباً بطرق غير واعية في تشكيل العتباتالعاطفية للإنسان. ووفق فرضية الحرارة، فإن الضيقوالانزعاج الجسدي الناتجين عن القيظ يتحولان إلىطاقة غضب كامنة تكون على استعداد للانفجار

جميعنا قد يعاني من ذات المشكلة التي تطفو الىالسطح مع ارتفاع درجات الحرارة في فصل الصيفاللاهب سيما في العراق، ففي أشهر هذا الفصلنعاني ربما جميعنا تغيرات مزاجية وسلوكيات لافتةللانتباه حيث نلاحظ اننا في الشوارع وفي بيئاتالعمل وحتى داخل البيوت تصاعداً ملحوظاً في حدةالطباع، وسرعة في الاستثارة، وميلاً متزايداً نحوالنزاع والمشاحنات لأسباب قد تبدو في ظروفأخرى تافهة أو عابرة.

ولأننا نمر اليوم بهذا بفصل الصيف ومع حدوثمشاجرات ومشكلات سلوكية اجتماعية ذات أصولنفسية رأينا من المهم الخوض في الأسباب النفسيةالتي تدفع الانسان الى العصبية وسرعة الاستثارةوغيرها من السلوكيات التي لم تشاهد في باقي أياموفصول السنة، فماهي العلاقة بين ارتفاع درجاتالحرارة وهذه السلوكيات، وماهي انعكاسات هذاالتأثير؟، وكيف نتعامل مع هذه الازمة لئلا نقع فيالمحظور لا سامح الله؟

لطالما اعتبر الإنسان المناخ والطقس اطاراً خارجياًمحيطاً بحياته، يتحكم في اختياراته المتعلقة بالملبسوطبيعة نشاطه الاقتصادي ومع ذلكفإن التعمق فيالنفس البشرية يكشف أن الصلة بين الإنسان وبيئتهأعمق بكثير من مجرد تكيف مادي، فالطقس لايقتصر على كونه ظاهرة جوية خارج حدود الجسد،بل هو عامل ديناميكي يتفاعل مع الجهاز العصبي،ويؤثر على الحالة المزاجية، ويتدخل غالباً بطرق غيرواعية في تشكيل العتبات العاطفية للإنسان.

من الواقع:

انا شخصياً من الذين لا يفضلون فصل الصيفلكوني اعاني من العصبية المفرطة سيما فيالتعاملات الخارجية، (خارج المنزل)، وهو ما يجعلنيأحاول قدر الإمكان ان ابتعد عن التسوق في النهارعلى سبيل المثال لكون الغش في التعاملات وسوءكلام بعض الباعة يستفزني وقد يصل بي الحال الىالدخول معه بشجار او يرتفع صوتي مما يجهدنينفسياً لذا أحاول التسوق في الليل او الابتعاد عنبعض الأشخاص والأماكن التي تجعلني في حالةعصبية.

كيف يسفر علم النفس المشكلة؟

وفق فرضية الحرارة فأن ارتفاع درجات الحرارةيسهم بشكل مباشر في تعزيز المشاعر العدوانية،وزيادة سرعة الاستثارة، وازدياد السلوكيات العنيفة،ووفقاً لهذه النظرية فإن الضيق والانزعاج الجسديالناتجين عن الحرارة يتحولان إلى طاقة غضبكامنة، تكون على استعداد للانفجار كرد فعل علىأي مثير خارجي مما ينتج عنه سلوك انفعالي شديد.

من منظور علم النفس المعرفي لا يتوقف الأمر عندحدود الهرمونات ونبضات القلب، بل يمتد إلى كيفيةمعالجة العقل للمعلومات وتفسيره للمواقف، وهنا يبرزمفهوم سيكولوجي شهير يُعرف بـخطأ عزوالاستثارة، أو نموذج نقل الإثار، عندما يكونالشخص في بيئة حارة، فإنه يشعر داخلياً بضيق،ووهن، وتسارع في النبض، وتوتر عضلي.

إن السلوكيات الغير طبيعية التي ترافق قيظ الصيفليست نتاج مجرد انطباعات شخصية أو ملاحظاتعابرة، بل هي ظاهرة سيكولوجية أصيلة حظيتباهتمام وافر في مجالات علم النفس البيئي، وعلمالنفس الاجتماعي، والعلوم العصبية السلوكية، فقددرس علم النفس المؤديات اليها نفسياً ليتسنى للفردالتعامل معها نفسياً.

كيف نتعامل مع ضغط حرارة الطقس؟

لكي ننجو من الاثار التي يمكن ان تنتج من تعرضناالى درجات حرارة عالية يجب علينا القيام اتباعاستراتيجيات العلاج المعرفي السلوك وإدارة المثيراتوهي كالاتي:

أولى استراتيجيات العلاج المعرفي هي استراتيجيةرصد الأفكار التلقائية المشوهة ومحاولة تصحيحهاداخلياً، حيث ان الضغط الحراري يضخم الأفكارالسلبية فتصبح زحمة السير في نظر أحدنا مؤامرةلتعطيلك، والخطأ البسيط من الآخرين استفزازاًمقصوداً، وهنا يفند العلاج النفسي هذه الأفكارويفصل المثير (الطقس) عن الحدث (تصرف الآخر).

والاستراتيجية الثانية هي استراتيجية التدريب علىتحمل الضيق، اذ تتم مساعدة الفرد على التكيف معالانزعاج الجسدي المؤقت دون الشعور برغبة ملحةفي التخلص منه بطرق غير ملائمة، مثل تفريغالغضب على الآخرين من حوله لكونهم ليس لهم ذنبفي غضب أحدنا بسبب ارتفاع درجات الحرارة.

والاستراتيجية الثالثة هي استراتيجية هي المراقبةالمحايدة التي تتمثل في تدريب النفس على ملاحظةالإشارات الجسدية الأولى للغضب، مثل تسارعالتنفس وانقباض الفك، أو الشعور بزيادة الحرارةفي البشرة، وكأننا مراقب خارجي يراقب العاصفةدون التورط فيها، هذا النوع من الوعي اللحظييساعد في الحيلولة دون سيطرة الغضب بشكلتلقائي على تصرفاتنا، وبهذه الاستراتيجياتالنفسية يمكن الابتعاد الى حد بعيد عن الاثارالسلبية لتأثير درجة الحرارة علينا.

قد يعجبك ايضا