ياسر بادلي
مرةً أخرى، يطلّ دونالد ترامب بخطابه المسموم ليهاجم الكورد، مدّعياً أنهم (لا يقاتلون إلا مقابل المال)، وكأنّ رجل الصفقات والعقارات، الذي حوّل السياسة إلى سوق مزادات، يملك الحق في الحديث عن القيم أو الشرف أو معنى التضحية. فمن اعتاد أن يقيس كل شيء بلغة الربح والخسارة، لا يمكنه أن يفهم شعباً دفع آلاف الشهداء دفاعاً عن أرضه وكرامته وحقه في الحياة.
الكورد لم يكونوا يوماً مرتزقة، ولم يحملوا السلاح طمعاً بثروة أو سعياً وراء سلطة، بل قاتلوا لأنهم وُضعوا دائماً في مواجهة الإبادة والاقتلاع والإنكار. من جبال كوردستان إلى روجآفا، كان المقاتل الكوردي يقف في الخطوط الأمامية بوجه الإرهاب والتطرف، بينما كانت قوى العالم تتاجر بدمائه وتراقب المشهد من خلف حسابات المصالح الباردة.
وحين تمدد تنظيم داعش كوحشٍ يلتهم المدن والبشر، لم يكن أبناء ترامب ولا جيوش المتشدقين بالأخلاق من وقفوا في وجهه، بل أبناء وبنات الكورد الذين حوّلوا أجسادهم إلى جدار يحمي الإنسانية. لكن القوى الكبرى، وعلى رأسها أمريكا، أعادت تكرار خيانتها التاريخية: تستخدم الكورد ساعة الحاجة، ثم تتركهم وحدهم عند أول منعطف سياسي وصفقة إقليمية.
لهذا، تعلّم الكورد، وخاصة في روژهلاتي كوردستان، أن الوعود الأمريكية لا تُبنى عليها أوطان، وأن الشعوب التي لا تملك ضمانات حقيقية تصبح مجرد أوراق تفاوض على موائد المصالح الدولية. فترامب لا يرى في الشعوب سوى أدوات مؤقتة، تُستخدم ثم تُرمى، لأنه ينظر إلى العالم بعقلية السمسار لا بعقلية رجل دولة.
لكن الحقيقة الأكثر إيلاماً ليست في تصريحات ترامب نفسها، فالرجل لم يُعرف عنه وفاء ولا التزام أخلاقي، بل في استمرار الانقسام داخل البيت الكوردي. إذ ما تزال بعض الأحزاب والقوى السياسية غارقة في صراعاتها الصغيرة، بينما تتكاثر المؤامرات حول القضية الكوردية من كل اتجاه.
إن أخطر ما يواجه الكورد اليوم ليس تصريحاً عدائياً هنا أو حملة تشويه هناك، بل التشتت الذي يمنح الأعداء فرصة العبث بمصير شعبٍ كامل. لقد آن الأوان لأن تدرك الحركة الكوردية أن المرحلة لم تعد تحتمل الانقسامات ولا الحسابات الحزبية الضيقة. فالقضية الكوردية أكبر من الأشخاص والأحزاب، وأكبر من المصالح الآنية والخلافات الهامشية.
وحدة الصف الكوردي لم تعد خياراً سياسياً، بل ضرورة وجودية في مواجهة مشاريع التفتيت والتآمر. ومن المفارقات المثيرة للسخرية أن من يتهم الآخرين بالقتال لأجل المال هو نفسه الذي أغرق المنطقة بصفقات السلاح، وقبض المليارات من أنظمة الخليج، وتعامل مع دماء الشعوب كأرقام في دفاتر التجارة السياسية.
فمن باع المواقف لا يحق له أن يتحدث عن الوفاء، ومن حوّل السياسة إلى سمسرة لا يحق له أن يزايد على شعبٍ كالكورد، كُتب تاريخه بالدم والصمود. الكورد لم يكونوا يوماً للبيع لكنهم اليوم أمام مسؤولية تاريخية:
إما أن يكونوا صفاً واحداً كأمة تدافع عن حقها وكرامتها، أو يتركوا الانقسامات تفتح الأبواب أمام المتآمرين وتجار الحروب. فالشعوب التي تتوحد حول قضيتها لا يهزمها طاغية، ولا يكسرها سمسار، ولا تُباع في أسواق السياسة.