مقارنة حقوقية عن واقع الضمان الاجتماعي بين إقليم كوردستان والحكومة الاتحادية

نهاد القاضي

أولاً: قراءة حقوقية انسانية لقرارات حكومة إقليم كوردستان في الضمان الاجتماعي للقطاع الخاص :
يُظهر البيان توجهاً استراتيجياً لحكومة إقليم كوردستان نحو مؤسسة حقوق عمال القطاع الخاص وتقليص الفجوة القانونية والمجتمعية بينهم وبين موظفي القطاع العام. ويمكن تلخيص مخرجات هذا التوجه في النقاط التالية:
إقرار الحق في الكرامة الإنسانية (الأمان الوظيفي والتقاعد): تحويل الضمان الاجتماعي من “امتياز” إلى “حق إنساني أصيل”، يكفل للعامل حياة كريمة بعد بلوغ سن التقاعد، مما يحميه وعائلته من العوز والفقر.
السيادة الوطنية على سوق العمل (القرار 172): فرض حصة (كوتا) قانونية تلزم أصحاب العمل بتشغيل 75% من العمالة المحلية مقابل 25% للأجنبية، وهو قرار يحمي الحق في العمل للمواطنين ويقلل من البطالة المحلية.
التصدي للانتهاكات وحماية الأجور: أقر البيان بوجود تحايل من قبل أصحاب العمل (إخفاء العمال، التسجيل بالحد الأدنى للأجور للتهرب من الدفع، واستغلال فترة التجربة). وهذا التوصيف يعكس شفافية في تشخيص “الاستغلال الاقتصادي”.
الردع القانوني (المادة 96): تفعيل الآليات العقابية وإحالة المخالفين للقضاء يعزز من سيادة القانون (Rule of Law) ويمنع إفلات أصحاب العمل من التزاماتهم الحقوقية تجاه العمال.
الشفافية والحوكمة (الرقمنة): إنجاز 30% من التحول الرقمي يمثل خطوة نحو الحوكمة الرشيدة (Good Governance)، مما يمنع التلاعب بالبيانات ويسهل وصول العمال إلى حقوقهم بشفافية.
ثانياً: الأهمية المجتمعية (السوسيولوجية) للضمان الاجتماعي
من منظور علم الاجتماع وحقوق الإنسان، لا يقتصر الضمان الاجتماعي على كونه استقطاعاً مالياً، بل هو “عقد اجتماعي يحقق العدالة وينهي الطبقية الوظيفية” له أبعاد عميقة:
العدالة الاجتماعية وإلغاء الطبقية الوظيفية: في مجتمعاتنا، يُنظر إلى الموظف الحكومي كطبقة آمنة، وعامل القطاع الخاص كطبقة هشة. الضمان الاجتماعي يردم هذه الفجوة النفسية والاجتماعية ويخلق توازناً مجتمعياً.
الاستقرار الأسري والنفسي: شعور العامل بأن مستقبله ومستقبل عائلته (في حال العجز، أو الشيخوخة، أو الوفاة) محمي قانونياً، يقلل من معدلات القلق والضغط النفسي، مما ينعكس إيجاباً على استقرار الأسرة وتقليل معدلات الجريمة أو التفكك الأسري.
تحفيز الاقتصاد وتخفيف العبء عن الدولة: عندما يثق الشباب بالقطاع الخاص، سيتجهون للعمل فيه والمبادرة بإنشاء مشاريع، مما يخفف الضغط الهائل على التوظيف الحكومي الذي يثقل كاهل الموازنة العامة.
ثالثاً: المقارنة مع حكومة العراق الاتحادية (التحديث التشريعي مقابل الصرامة التنفيذية):
إذا ما قارنا هذا التوجه في إقليم كوردستان مع ما يجري في العراق الاتحادي (بغداد والمحافظات الأخرى)، (المتمثلة بتشريع قانون التقاعد والضمان الاجتماعي الجديد رقم 18 لسنة 2023) نجد توافقات واختلافات تعكس طبيعة التطور التشريعي في كلا المنطقتين:
وجه المقارنة بين حكومة إقليم كوردستان( اربيل ) والحكومة الاتحادية ( بغداد )
الإطار التشريعي الحديث يعتمد الإقليم على تفعيل قرارات تنفيذية صارمة (مثل القرار 172) وتشديد تطبيق قانون الضمان النافذ (عبر المادة 96). شرّع العراق الاتحادي مؤخراً قانون التقاعد والضمان الاجتماعي للعمال الجديد (رقم 18 لسنة 2023)، وهو قانون متطور جداً ومطابق لمعايير منظمة العمل الدولية (ILO). ويلاحظ توافق إجراءات الطرفين الاقليم والحكومة الاتحادية مع معايير منظمة العمل الدولية (ILO)، إلا أن القانون الاتحادي بات أكثر تطابقاً مع التزامات العراق الدولية.
حيث الشمولية والقطاع غير المنظم التركيز حالياً منصب بشكل أساسي على الشركات، الاستثمار، البناء، وإلزام أصحاب العمل بتسجيل عمالهم. قانون 2023 الاتحادي ذهب لأبعد من ذلك، حيث سمح بالضمان الاختياري (لأصحاب المهن الحرة، سائقي التاكسي، الباعة المتجولين)، مما يجعله أوسع شمولية.
البعد الجندري (حقوق المرأة): في الإقليم، لا يزال صاحب العمل يتحمل راتب إجازة الأمومة، مما يجعله يتهرب من توظيف النساء. بينما عالج القانون الاتحادي الجديد ذلك بجعل “صندوق الضمان” هو من يدفع راتب إجازة الأمومة، مما يحمي حق المرأة في العمل والأمومة معا.
التحول الرقمي (الأتمتة) حسب البيان، تم إنجاز 30% من متطلبات التحول الرقمي للابتعاد عن المعاملات الورقية. أطلقت وزارة العمل الاتحادية منصة “ضماني” الإلكترونية والتطبيق الخاص بها، وهي متقدمة نسبياً في أتمتة الدفع وتسجيل العمال عبر نظام إلكتروني شامل.
تحديات التهرب القانوني التهرب يشكل التحدي الأكبر (إخفاء العمال، التلاعب بالأجور، استغلال فترة التجربة). نفس التحديات بالضبط تواجه بغداد (التهرب، التواطؤ بين العامل وصاحب العمل أحياناً لعدم استقطاع النسبة). وتستخدم بغداد فرق التفتيش والخطوط الساخنة أيضاً.
حماية العمالة المحلية حدد الإقليم كوتا واضحة جداً (75% عمالة محلية مقابل 25% أجنبية). توجد قوانين اتحادية تفرض نسباً مشابهة لحماية العمالة الوطنية، لكن التطبيق يواجه تحديات بسبب كثرة العمالة الأجنبية غير الشرعية (التي تدخل بفيزا او سمة دخول سياحية وتعمل في السوق).
الدعم المالي من الدولة: يعتمد الإقليم على استقطاعات العامل وصاحب العمل فقط. بينما في بغداد، تحولت الدولة من “مراقب” إلى “شريك”، حيث تدفع الحكومة الاتحادية إعانات مالية (تصل إلى 15%) لدعم صناديق تقاعد العمال، تشجيعاً للقطاع الخاص.
قصر الكلام :
يتجه كل من إقليم كوردستان والحكومة الاتحادية نحو “أنسنة” القطاع الخاص. حيث تتميز خطوة الإقليم بـ “الصرامة التنفيذية والرقابية” (فرض الكوتا والتفتيش) بفرض الكوتا (75%) والتهديد بالمادة 96 تعتبر خطوة “تنفيذية رقابية” ممتازة وحازمة. في المقابل، تتفوق الحكومة الاتحادية حالياً بـ “التحديث التشريعي” المتمثل بقانون (18 لسنة 2023) الذي أدخل فئات كانت محرومة تاريخياً (كالعمال غير المنظمين).
التوصية: لكي تكتمل هذه الخطوة الإنسانية في الإقليم، قد يحتاج برلمان كوردستان مستقبلاً إلى تشريع قانون جديد أو تعديل القانون الحالي ليسمح ” بالضمان الاختياري” لأصحاب المهن الحرة، ويحمي النساء العاملات، ويُقدم دعماً حكومياً لصندوق الضمان، لخلق بيئة عمل مثالية تحفظ كرامة الإنسان. تماشياً مع ما فعلته بغداد، لضمان شمولية حقوقية مطلقة لكافة أفراد المجتمع.

الاول من ايار عيد العمال 2026

قد يعجبك ايضا