د. توفيق رفيق آلتونچي
وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ .
العنكبوت (43)
أقول ربما كل ما وصلنا من روايات تاريخية محض خيال وهراء بشري والذي حصل بالفعل مجهول لا يعرفه إلا فاعله. وردت مصطلح “أساطير الأولين” في النص القرآني في تسع آيات، القران يذكر العديد من الأساطير التاريخية ولكن وجودها ذو قيمة رمزية تعليمية كضرب مثل والتأمل والتعقل رغم اتفاق عام لدي المفسرين باعتبارها محض أكاذيب. ان اي تحليل لمرويات التاريخ التراثي قديمه وحديثه وتحليل مصادره يبين للمرء بان معظمه كتب ويكتب تحت سطوة سلطة حاكم او نزوة ممزوج بالعاطفة البشرية اما الحقيقة فتبقى البحث عنها يتعدى إمكانيات البشر وأفضل تعريف له في قولنا ” والله اعلم”.
الكم الهائل من المعلومات ، الصور و الأفلام المزيفة المتداولة اليوم والذي بدا تسمى ب (المزبلة الرقمية) الذي أدى إلى إنشاء متاهات لا يمكن للمرء إيجاد نهاياتها ويتيه بين “الدرابين” اي الأزقة وكما يقال باللهجة العراقية ناهيك عن عدم وجود وسيلة لمعرفة حقيقة تلك المعلومات. النهاية المأساوية لرجال السلطة في العراق منذ تأسيسها مثلا موضوع يكرر نشرها في وسائل التواصل الاجتماعي معززا بصور وإطناب للبعض منهم بينما يهجوه آخرون ويستخدم ألفاظ بذيئة في الحوارات.

هذه الفوضى الغير خلاق يحيّر القارئ متسائلا ؛
من من الإطراف يمكن تصديقه ؟
طبعا للإجابة على هذا التساؤل يحتاج المرء الىً مصادر موثوق بها ان وجدت لكن بعض الصور يزودنا بمعلومات لا تقبل الشك أحيانا. وقد تسمح الوثائق البريطانية التي يتم رفع الحضر عنها بعد مرور فترة زمنية وبتزويد القارئ بالمعلومات حول دول الشرق تحت الانتداب البريطاني ، من وجه نظر المستعمر، من النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية. الصورة المنشورة أعلاه لتتويج اول ملك حجازي على عرش العراق مع قوات الانتداب البريطاني وقد قام مجلس تأسيسي مؤقت بترشيحه لإضافة شيء من النكهة العراقية على الترشيح هنا تجدر الإشارة بان تلك الملكية كانت ضمنا منحصرا بعائلة الهاشمية الشريفة باعتبار مؤسسه هو الشريف حسين بن علي شريف مكة الهاشمي الحاكم الفعلي للأراضي المقدسة في الحجاز والذي لازال أحفاده الكرام يحكمون في المملكة الأردنية الهاشمية ناهيك انً حدود المملكة كانت تنتهي على تخوم مرتفعات حمرين . اي ان ولاية الموصل كانت خارج حدود المملكة. حيث اجرى عصبة الأمم استفتاء لضمها إلى المملكة العراقية.
أريدان اعترف للقاري الكريم أنا أحبذ الأنظمة الملكية النيابية الديمقراطيةً والتي تؤمن بالتعددية الفكرية ، على الأقل عاطفيا، لكونها أثبتت وعبر التاريخ انها أنظمة مستقرة من ناحية ومن ناحية اخرى ارى بانها ان فسدت ففسادها تصل إلى درجة الإشباع في كنز المال من الذهب والفضة. التي تتحول لاحقا إلى معروضات في المتاحف . وعلى اقل تقدير أثبتت السنوات الاولى من القرن الواحد والعشرين ان الجمهوريات أنظمة قلقة وتحارب شعوبها وكل وعودها لشعوبها وقراراتها منحازة إلى جهة معينة وتتحكم بها الاقتصاد والسياسة الدولية من يسار ويمين وما أفرزت من قوى بعد نهاية الحرب الباردة وانهيار جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق. الجدير بالذكر كذلك ان فشل تلك الأنظمة يبررها البعض بالهجمة الإمبريالية او سطوة الرأسمالية ومجاميع من الأعداء الفضائيون آلغير مرئيون. الشرق عرف الملكيات منذ الحضارات الأولى وهذا الإرث استمر حتى العصر الحديث والمؤسسة الملكية بحد ذاتها تعتبر خالدة كما هي في عالم النحل ولا يمكن إزالتها بمجرد انقلاب عسكري يقوم به عدد من الضباط المارقين ولا يمكن مقارنتها كسلطة مع اعتى الجمهوريات.
لا تزال معظم العائلات الملكية موجودة في معظم دول العالم رغم أنهم ليسوا في الحكم وحتى ورثة الدولة العلية العثمانية. المملكة المتحدة كانت جمهورية يوما ما فرنسا تعيش اليوم الجمهورية الخامسة النمسا تعيش الجمهورية الثانية وربما نرى عودة الملكية إلى ايران يوما ما في المستقبل. اما دول القارة الأوروبية العجوزة فقد كانت يوما ما معظمها ملكية ومن عائلات متصارعة فيما بينها. اليوم هناك العديد من دولها يحكمها ملوك او ملكات حتى لو كانت سلطتها رمزية. بينما هناك دول تعتز بملوكها السابقون وتنصب لهم تماثيل ونصب تذكارية. شعوب دول الشرق تؤمن بقوة البشر في السلطة فتراهم دوما يمدحون من يعتلي كرسي العرش وهذا في الأنظمة الملكية والجمهورية.
كما أسلفت جميع الحضارات البشرية القديمة كانت ملكية وسلطة هذا الملك متفاوت من مجتمع إلى آخر نرى مثلا في حضارات العراق القديم يتضرع الملك ساجدا امام الإله في حين يتحول الملك عند الشعوب الإيرانية والمصرية إلى ضل الإله في الأرض فيعبد والعياذ بالله.

هذا الاختلاف الحضاري مهم جدا لفهم تاريخ المنطقة بالكامل فبينما يعتبر الفكر الشيعي مثلا ملكيا باعتبار ان الخلافة يجب ان تبقى في بيت خاتم النبيين محمد صلى الله علية وعلى آله وسلم أعتبر النقيض ان الأمر للجماعة والشورى لكن ليس في الحكم بل فقط في القيادة الدينية والفتاوى بينما اتخذ الأمويين النظام الملكي البيزنطي استنسخوها في الحكم وسار عليهم العباسيون من بعدهم في توريث العرش لأبنائهم . هذا ما وصلنا من رويات كتب التاريخ اي ان الصراع السياسي والعسكري الذي دار ألألف السنيين كانت بين سلطنتين لعائلات ملكية وكانوا أقرباء ومتصاهرين اما مبدأ الشورى ( الجمهورية ) فقد طبق فقط من قبل الخلفاء الراشدون الأربعة الأوائل .
اليوم لا نرى إلا بعض البقايا من تلك السلطة اي الشورى في الأنظمة الجمهورية وهناك لافتة كبيرة في بعض البرلمانات وبخط جميل كتب ( وأمرهم شورى بينهم) ولا اجد نصا مناسبا إلا كلمات الشاعر الرصافي الذي يقول فيها؛
هذي حكومتنا وكلُّ شموخِها كذِبٌ، وكل صنيعها مُتكلَّف
رغم انها اي تلك الجمهوريات في واقع الأمر ملكيات يحكمها العوائل بطريقة توزيع المناصب العسكرية والأمنية من ناحية ومن ناحية اخرى تتحكم بالاقتصاد والتجارة بالكامل رغم انها تصل إلى سدة الحكم عن طريق انتخابات ديمقراطية بينما يعتمد بعض الملكيات على الارث الديني كما في مملكة المغرب( على اعتبار العائلة الملكية تصل أصولها إلى الإمام الحسن بن علي عليه أفضل السلام) ومذلك العائلة الهاشمية التي تحكم في المملكة الأردنية الهاشمية. اما الأنظمة الشيعية فلا يحكما إلا وكيل للإمام الغائب وهو يعتبر المرجع الأعلى الذي يتم تقليده من قبل المريدين ولا يشترط ان يكون المرجع قريشاً إلا ان معظمهم كانوا يعتمرون العمامة السوداء دلالة على أصولهم الحجازية (موسوي) وذلك من الأمور الجدلية بين مختلف الطوائف والمذاهب الدينية الشيعية لحد اليوم حيث كان المرجع الأعلى أفغانيا او من الترك. ناهيك عن ان الأتراك الصفويين هم من اختاروا الإثنا عشرية الجعفرية مذهبا رسميا لأبناء أيران في عهد الشاه إسماعيل الصفوي عام ١٥٠٩ والتي كانت شعوبها من الطائفة السنية قبل ذلك وطبق عليهم قسرا اي ان جميع ولايات ايران من خراسان وشيراز وأصفهان كلها كانت من اهل السنة والجماعة وتم تشيعهم.
جميع اختلافات الفكرية والثقافية بين الشعوب تحمل في أسسها مرويات تاريخية متناقضة نصا ، تفسيرا وفهما. باعتقادي بان النصوص تفهم في سياقها التاريخيّ اي علينا العودة إلى زمان النص ونرى كيف فهم الناس النص وهل كانوا بحاجة لمن يفسر لهم النصوص لان اللغة حية وتتغير وحتى تتغير معاني مفرداتها واستخداماتها من زمن إلى آخر ومن بيئة إلى أخرى. المشكلة بان صاحب المروية الأصلية قد يكون مات قبل دهر من الزمان ولا زال الناس يتجادلون لا بل يتقاتلون اعتمادا على تلك النصوص الغير صحيحة والموثوقة. جاء عصر المعلوماتية بمعلومات مزيفة حول تاريخ الشعوب والأمم بحيث ان معلومات الناس أصبحت حبيسة بما يقدمه الأجهزة لهم من معلومات واخرون يرون في الأفلام التاريخية حقيقة لا لبس فيها والأدهى ان سلوكهم وأسلوب حياتهم اصبح نسخة مما يرونه في تلك الأفلام والمسلسلات التاريخية. ناهيك عن وجود نصوص ومرويات مزورة كمصدر تاريخيّة يعتمد عليها في كتب التاريخ. لا ريب التقدم في علوم الحاسب الإلكتروني والذكاء الاصطناعي الذي اصبح اليوم في الماضي بعد أن بدأ عصر حوار الأجهزة الذكية فيما بينها واتخاذ القرارات في جميع البرامج و وسائل التواصل الاجتماعي التي يمكن تزيفها بدرجة غير معقولة ما يسمى ب (هاكر) وتعتبر كل ذلك خطر على امن السايبرنتك Cybernetics) ) في العالم.
اتسائل اليوم أليس هوميروس الشاعر الأعمى كتب أعظم ملحمة عرفها الإنسان – الإلياذة والأوديسة ! وكلها أشعار خيالية تحولت بمرور الزمن إلى جزء من التاريخ والموروث الثقافي اليوناني؟
و أليس هيرودوت المكنى بأب التاريخ كان يمثل التاريخ المزور ورواية الأكاذيب وخيالية كتبت كتشهير و لمصلحة الإغريق ؟
فبمن نصدق قارئي الكر
الأندلس 2026