متابعة – التآخي
موجات الحرارة وارتفاع منسوب البحر تهديدات خطيرة لكثير من المواقع الثقافية والأوابد التاريخية، وعلى رأسها المدرجة على قائمة اليونسكو للتراث الإنساني: زقورة أور في العراق، ومساجد أصفهان في إيران، وسور الصين العظيم.
ولطالما شكلت الحروب والثورات تهديداللمواقع التراثية الوطنية كما حدث مؤخرافي إيران وأوكرانيا، لكن ظهرت الآن خطر داهم، تغير المناخ.
وتتأثر مواقع التراث العالمي لليونسكومن الأهرامات التي يعود تاريخها إلى 4000 عام في مصر إلى التماثيل الشهيرة التي يبلغ عمرها نحو1500 عام في جزيرة إيستر بشكل متزايد بالتآكل والتدهور. تؤثر درجات الحرارة المرتفعة والعواصف القوية والجفاف سلبا على مواد البناء. وتظهر دراسة أجريت مؤخراأن 80 في المئة من مواقع التراث العالمي تتعرض لضغوط مناخية لأن مواد البناء القديمة جدا مثل الخشب والحجر لا تستطيع التكيف مع ارتفاع درجات الحرارة.
فيما يلي بعض المواقع المعرضة للخطر الداهم، ففي وسط منطقة صحراوية تقع زقورة أور الشهيرة وهو معبد عمره 4000 عام جرى تشييده تكريما لإله القمر نانا. يتداعى المبنى بشكل متزايد. فالرمال المتحركة والرياح القوية تهدد هيكله.
فضلا عن ذلك تزداد ملوحة المياه الجوفية نتيجة للحرارة والجفاف. وهذا يؤثر سلبا على الطوب الطيني لهذا المعبد في بلاد ما بين النهرين. “الرواسب الملحية هي نتيجة لتغير المناخ”، كما يؤكد كاظم حسون من هيئة الآثار في محافظة ذي قار. ويضيف أن “بلورات الملح تتغلغل في مواد البناء، ما يؤدي لتوسعها بالتدريج وبالتالي تدميرها”.
كما أن أطلال مدينة بابل القديمة على نهر الفرات مهددة هي الأخرى، فمستويات الملوحة المرتفعة تهاجم هيكل البناء. ويحاول علماء الآثار التصدي لذلك على سبيل المثال باستغلال الطوب الطيني المنقى من الملوحة المصنوع وفقا لأساليب تعود إلى آلاف السنين.
في الوقت الحالي تشكل الحرب تهديداكبيرا على المواقع التاريخية في إيران. لكن تغير المناخ يترك آثاره الواضحة هنا أيضا. ومن بين المواقع المتضررة المساجد التاريخية في مدينة أصفهان الإيرانية. يُظهر مسجد الجمعة (المسجد الجامع العتيق) تطور العمارة المسجدية على مدى اثني عشر قرنا. بدأ بناؤه في عام 841 للميلاد وخضع للتوسيع والترميم عدة مرات.
ووفقا لليونسكو تعد “متحفا للعمارة الإيرانية”. بفضل قبابه المذهلة وزخارفه الجصية الفخمة كانت هذا المسجد انموذجا يحتذى به للمباني الدينية والتعليمية في أجزاء واسعة من المنطقة من إيران إلى العراق وسوريا.
يقع بالقرب منها ميدان الإمام وهي ساحة واسعة تعود إلى القرن السابع عشر. ويقع هناك من بين أمور أخرى مسجد الإمام الشهير بقبته الزرقاء وخطوطه الفنية.
لكن كل المباني السابقة الذكر في أصفهان تقع على أرض غير مستقرة فهي تنخفض بسبب انخفاض منسوب المياه الجوفية باستمرار نتيجة للجفاف. كما أن درجات الحرارة القصوى والتقلبات الشديدة في الرطوبة الجوية تضع ضغوطا إضافية على المباني.
وتحذر اليونسكو بالقول، قد يؤدي هذا التدهور البطيء في حالة عدم اتخاذ تدابير مضادة إلى حدوث تشققات وعدم استقرار وفي أسوأ الأحوال إلى الانهيار.
وبحسب دراسة أجرتها جامعة هاواي قد تغمر المياه تماثيل المواي الشهيرة في جزيرة إيستر في تشيلي بشكل متزايد في غضون بضعة عقود. ويعد موقع أهو تونغاريكي الذي يضم 15 تمثالا ضخمامعرضا للخطر بشكل خاص. فارتفاع مستوى سطح البحر يهدد بحدوث أمواج أقوى وفيضانات التي من شأنها وفقاللدراسة التي أجريت عام 2025 أن تعرض أكثر من نصف الكنوز الثقافية هناك للخطر.
ويقول المؤلف الرئيس للدراسة، نوح باوا إن هذا الأمر سيكون مدمرا للثقافة الحية وسبل عيش سكان منطقة رابا نوى “هذه المواقع أساسية لهويتنا وتقاليدنا، فضلا عن ذلك تعتمد السياحة في الجزيرة عليها بشكل كبير. إذا لم نفعل شيئا حيال ذلك فقد يتعرض حتى وضع الجزيرة كأحد مواقع التراث العالمي لليونسكو للخطر على المدى الطويل”.
اما سور الصين العظيم الذي يبلغ طوله أكثر من 21,000 كيلومتر فيعد من أبرز المعالم المعمارية في العالم، وقد جرىتشييده وتوسيعه على مدار أكثر من ألفي عام وهو مدرج في قائمة اليونسكو للتراث العالمي منذ عام 1987. لكنه هو الآخر معرض للخطر.
تتكون أجزاء كثيرة منه من التربة المضغوطة وهي عرضة للرياح والأمطار وترسبات الملح. وهذا يؤدي إلى تشققات وتآكل واحتمال الانهيار. اليوم نحو ستة في المئة من السور في حالة جيدة في حين أن نصفه تقريبا قد تعرض لأضرار بالغة أو اختفى. ويطالب الباحثون باتخاذ تدابير حماية عاجلة لإنقاذ الصرح العالمي.
وبالنتيجة فإن تغير المناخ لا يهدد الطبيعة فحسب، بل يهدد أيضا التراث الثقافي للبشرية وبالتالي جزءا من تاريخنا المشترك.
وتجمع الدراسات على ان أبرز التهديدات المناخية على الآثار هي الجفاف وملوحة التربة، اذ يؤدي إلى تآكل المباني الطينية القديمة (كما في أور وبابل) وتفتت المواد الإنشائية؛ والفيضانات والأمطار الطوفانية تتسبب في انهيار الهياكل الأثرية وتآكل المواقع، وارتفاع مستوى سطح البحر، يهدد المواقع الساحلية بالغرق والتآكل، وكذلك الظواهر الجوية المتطرفة: موجات الحرارة والجفاف الشديد تضر بالرسومات الصخرية والمواد العضوية، والزحف الرملي، يدفن المواقع الأثرية ويطمس المعالم التاريخية.