صروحٌ بعمق الروح.. معمار سردي يتشكّل من التحول والمعنى

ربيع حسن كوكة

المجموعة القصصية “صروح بعمق الروح” للشيخ الدكتور ربيع حسن كوكة التي صدرت عن دار منهل القرّاء في سورية تنهض بوصفها مشروعاً أدبياً متكاملاً، لا يكتفي بسرد الحكاية، بل يعيد تشكيل مفهوم القصة القصيرة داخل أفقٍ تأملي يتجاوز الحدث إلى المعنى.

إن هذا العمل ليس مجرد قصص متفرقة، بل هو “معمار سردي” ثلاثي البنية، يقوم على حركة تصاعدية دقيقة: من الجذر إلى النور، ومن المادة إلى الروح، ومن التجربة إلى الحكمة.

أولاً: تراتبية البناء.. من الأرض إلى السماء:

يتأسس الوعي في هذه المجموعة عبر ثلاثة مستويات كبرى، تبدأ بـ “العبور إلى الجذور”، حيث تتحول عناصر الطبيعية (كالشجرة والزيتون والسنونو) إلى أرشيف رمزي للهوية والانتماء. ويبرع الكاتب في تحويل البساطة الطبيعية إلى كثافة دلالية، مؤكداً أن الإنسان لا يُفهم خارج جذوره.

ثم ننتقل إلى “معراج الأنوار إلى سماء الأسرار”، وهي مرحلة التحول الوجودي، وفي هذا القسم، تبلغ المجموعة ذروتها الفنية؛ إذ تصبح (المرآة، والظل، والضباب) أدوات لتفكيك الذات واختبار الرؤية، فكأنّها مرحلة “هدم اليقين الأول” لإعادة بناء وعي جديد، حيث لا يُقدَّم الوجود كحقيقة ثابتة، بل كحركة مستمرة بين الانكشاف والاحتجاب.

وفي القسم الثالث “همس العطاء وأنس الرجاء”، تكتمل الدائرة حيث تتحول التجربة إلى “حكمة” فتستقر الرموز في حالة من الصفاء؛ فالسنابل عطاء كوني، واللوتس نقاءٌ طالعٌ من الطين، إنها عودة إلى البساطة، لكنها بساطة العارف المتأمّل في الملكوت؛ الذي يرى في الانكسار شكلاً من أشكال الاكتمال، وفي الغياب صورة أخرى للحضور.

ثانياً: اللغة والأسلوب، نثرٌ يتجاوز الحكاية:

قامت لغة المجموعة على كثافة شاعرية عالية، جعلت من الجملة وسيلة “كشف” لا مجرد أداة “إخبار”، فتميز أسلوب الدكتور “كوكة” بتدفق إيقاعي واستعارات كونية حوّلت العناصر الجامدة إلى كيانات فكرية نابضة، هذا التداخل بين البعد الحسي والفلسفي أوجد عالماً متماسكاً يتطلب قارئاً متأنياً، يمارس “التلقي التأويلي” ليظفر بالجواهر المكنونة خلف السرد.

ثالثاً: رؤية الكاتب… الإنسان كمشروع معنى:

يتجلى الكاتب في هذا العمل بوصفه شاهداً ومؤولاً، يمزج بين الحسِّ الشرعي، والوعي الوجودي، والتجربة الجمالية؛ إن الرؤية الفلسفية التي تطرحها مجموعة “صروح بعمق الروح” ترى الإنسان ككائن في حالة تحول دائم، وليس كائناً مكتمل الصنع، ومن خلال مقدمة الكتاب وخاتمته، يضعنا الكاتب أمام إطار فكري واضح يرفض المباشرة الخطابية، وينحاز إلى بناء نصوص تحمل بعداً تربوياً وجودياً رقيقاً.

ويبرز هذا البعد الوجودي في المجموعة كلّها فنقرأ على سبيل المثال في قصة “خطوط الذهب” حيث يتحول الكسر من ألمٍ إلى بوابة عبور؛ ويصوغ الكاتب فلسفته بلسان بطلته قائلاً: (الكمال ليس امتلاك كل شيء سليماً، بل القدرة على أن تصير الشقوق نوافذ تطل منها الروح على فسحة الأبد…. إن الجمال لا يأتي إلا بعد الألم، وأن اللحظات الأكثر هشاشةً هي التي تحمل أعظم قوة).

بهذا الاقتناص الفني يؤكّد الدكتور “كوكة” أن المعنى لا يولد من الاستقرار بل من إعادة ترميم الذات بذهب اليقين بعد كل إنكسار.

القراءة كفعل تحول:

إن “صروح بعمق الروح” ليست مجرد كتاب يُقرأ، بل هي بناء سردي يُعيد تعريف القصة القصيرة بوصفها أداة لاكتشاف الوجود، نصوصٌ كُتبت على تخوم الفلسفة برهافة الأدب، وأخذت مدادها من أعماق الإيمان؛ فتتحرك بين السؤال واليقين، في نهاية هذا المعمار، لا يخرج القارئ بحكاية عابرة، بل بـ “تحول داخلي”؛ إذ تصبح القراءة تجربة معرفية تبدأ آثارها في الروح لحظة إغلاق الكتاب.

قد يعجبك ايضا