ياد ابن سازان ابنتي ولد في مستشفى ( wing long) البريطانية التي ولد فيها ابناء وأحفاد الملكة اليزابيث الثانية وجارلس الثالث ملك انجلترا الحالي من زوجته الاميرة دايانا

اعداد: عدنان رحمن

            هل يمكننا ان نكتب مقدمة لكتاب، اروع مما كتبه المقاتل والسياسي والصحفي والأديب والشاعر مدحي المندلاوي، الوزير السابق في احدى الكابينات الوزارية في حكومة اقليم كوردستان لكتابه الشخصي بقلمه. الكتاب بعنوان ( نقوش من الذاكرة) طبعته الاولى عام 2025 وطبع في مطبعة طهران. نورد ادناه ما ذكره في المقدمة:

– “ هذه حكاية العمر أرويها كما حدثت، انما باكثر ما يمكن من اختزال أكتب كل كلمة بنفسي، وتخرج من نبضات قلبي. هنا حذفت فصولا عديدة من هذا الكتاب لانني تصورت بأنني ربما أجرح فيها شعور شخص ما، أو وجدت أنه لا داعي لفتح بعض الجروح التي التأمت فأنا كغيري من الناس تعرضت للغبن والظلم من جانب اشخاص اخرين. وهناك مَن صعد على كتفي، ومن عرّضني الى المخاطر، وحاربني في حياتي. كل ذلك قد انتهى الآن ولا داعي أن أزعج من يقرأ هذه الكتابات بمنغصات ماضية. المهم عندي هنا هو ان يتعرّفأحفادنا بعد خمسين أو مئة عام على ظروف حياتنا، وبعضا مما كابدناه ليستفيدوا منمسيرتنا في الحياة. ونحن في نهاية الأمر لا نتذكر السنوات من عُمرِنا ولا الأيام والساعات بل لحظات قليلة من كل محطة نَمُرُّ بها. أتساءل ماذا لو ألقى أحد أجدادنا الضوء على حياته بكتابة بضعة صفحات عن احداثها ومجرياتها، لا شك انهم كانوا سيتركون لنا كنزاً نحتفظ به لأولادنا وأحفادنا، ونعرف من خلاله نمط حياتهم، وطريقة تفكيرهم ومعيشتهم. فما أروع كتابات موثقة منهم، وبخط ايديهم نعود اليها، لنرويها لاولادنا، ونستشهد بها. وكم مِن الأبناء والاحفاد كانوا سيقرأونها ويعتزون بها. في عام ۲۰۱٥ سافرت الى سيئول عاصمة كوريا الجنوبية وهناك زرت مكانا مغلقا باحكام قالوا انها مقبرة لجميع الحاجيات التييستعملونها اليوم وهي محفوظة بدرجة حرارة مناسبة، وسوف يتم فتحها بعد أجيال، ليعرف الاحفاد ظروف حياتهم، وطريقة تفكيرهم، وتطورهمالعِلمي والتكنولوجي. اليوم نحن نبحث في باطن الارض وظاهرها عما تركه الاجداد الأولون من آثار وكتابات ونقوش لنعرف أسرارهم. اعود لاقول ربما تكون هذه الكتابات نوع من النبش في الايام التي فاتتني وفيما صنعته يدي فالوضع الذي وصلت اليه وحالتي الاجتماعية والثقافية حتى الاقتصادية هو نتاج تفكيري وطريقة فهميللحياة، وايضا النضال الشاق الذي خضته في سبيل ان أعيش بكرامة وأخلق بيئة صحية ومناسبة لأولادي وأحفادي واخدم مجتمعي منخلال الزاوية التي شغلتها في الحياة، ربما اعتز بنفسي قليلا لانني لم اذق طعم الحياة التي يعيشها اولادي واحفادي اليوم فمن طفل قروي بائس وخجول ومنطوي الى عامل يشتغل الى جانب الدراسة بأجرة يومية وكاتب وصحفي الى بيشمرگه فوزير في حكومة اقليم كوردستان. وعلىسبيل المثال عندما ولدت ابنتي سازان في بلدة ايوان في محافظة ايلام أخذت أمها الى مستوصف بغرفة واحدة وولدت على يد ممرضة هندية شبه أميّه كادت أن تقتلها مع أمها. ولكن ياد ( ابن سازان) ولد في مستشفى wing long) ) البريطانية التي ولد فيها ابناء وأحفاد الملكة اليزابيث الثانية وجارلس الثالث ملك انجلترا الحالي من زوجته الاميرة دايانا. أنا لم أدفع سنتا واحدا، وانما وجهت سازان الى الطريق الصحيح، وملأت رأسها بحُب العِلم والدراسة والمعرفة قبل ملئ معدتها. لذلك شقت طريقها وبلغت العُلا بحصولها على شهادة الدكتوراه من استراليا، واستطاعت أن تعيش بكرامة مع شريك حياتها وأطفالها. لم أجد خلال هذه المسيرة الطويلة في الحياة من يسندني او حائطاً اتكأ عليه سوى كفاحي ومحاولاتي المستميتة لعدم البقاء في المربع الذي كنت أعيش فيه. جيلنا عاش وسط الحروب والمآسي، لم نكن نختار طريقنا، إنما الظروف والقَدر وبعض القرارات الطائشة والآنية هي التي كانت ترسم طريقنا بخيط رفيع صغير كان يقف بيننا وبين الموت أو الوقوع في متاهة في كل لحظة، هكذا كمّن تتوجه رصاصة قاتلة نحوه، وفي اللحظة المناسبة يُحيد عنها. فنحنمحظوظون اذ بقينا على قيد الحياة وسط الحروب والموت العشوائي في ظل الحكومات الدكتاتورية وانعدام الديمقراطية والامن وحكم القانون. الآن أفكر ماذا كان يحدثُ لي لو لم أفعل كذا وكذا، وكيف خدمني القدَر والصدفة في أن لا أموت في الموضع الفلاني. لم يكن أمامنا أيّ طريق لنسلكه، أوخيط رفيع من الضوء ليرشدنا عبر الظلام. القدَر وحدهكان يرشدنا ويحمينا، عشنا وسط حروب متتالية، وتطلعات مميتة لحكام مغامرين حكموا ويحكمون اليوم منطقتنا، ولم يكن أمامنا سوى أن نتشبثبأفكارنا ونسير نحو المجهول الذي كنا نعتقد أنه طريق النجاة. ربما كنا نهرب الى حيث لا ملاذ لنا. مرة قرأت لابنتي سازان هذه السطور:

( منذ أن وعيت الى هذه الدنيا وأنا وعائلتي في هروب. الغد مجهول في هذه المنطقة من العالم. وأعني بها الشرق الاوسط. ولذلك ترسخت في ذاكرتي كلمة ( لاجئ). ولدت في قرية جبلية، أبادت الطائرات الحربية العراقية نصف سكانها قبل ولادتي بشهور. ولم يمض عام من عمري ( ۱۹۹۱) حتى كان والدي ( المقاتل الكوردي والصحفي)يتركني وأمي بأيدي القدر ويذهب ليشارك في حرب الشوارع في المدن الكوردية ضد قوات الدكتاتور صدام حسين وانقطعت أخباره عنا، ولكن القدر أعاده الينا وقال ان الامريكيين الذين دعونا الى مقاتلة القوات الحكومية خذلونا، وسمحواللقوات العراقية استعمال الطائرات والاسلحة الثقيلة ضدنا، فلم نستطع مقاومتها باسلحتنا الخفيفة. أخذنا الوالد هذه المرّة الى بلدة صغيرةتقع فوق قمة جبل، حتى كنا كطائر اللقلق الذي يعشعش فوق مأذنة جامع أو كنيسة. بعد أقل من عام هدأت الأوضاع وهجرنا الى داخل المدينة، وهنا بدأت الحرب الداخلية بين الاحزاب الكوردية نفسها. وفي احدى الليالي هجموا على بيتنا بالاسلحة الاوتوماتيكية ولولا خبرة أبي في القتال لقتلونا في تلك الليلة. وفي صبيحة أحد الايام سمعنا صوت المجنزرات الحربية وطائرات الهيليكوبتر. كانت قوات صدام قد طوقت المدينة وبدأت بالدخول اليها، وكان علينا أن نهرب).

   انا واحد من عامة الناس. رجل عادي من هؤلاء الذين يولدون يوميا ويكبرون ويتناسلون ويموتون دون ضجة. ربما لا يلاحظني احد وانا امشي بجواره او خلفه باحثا عن رغيف الخبز والامان لعائلتي انا رجل عادي، هكذا مثلك، ومثل كل الناس العاديين الذين سيرحلون، مثلي تماما عندما ارحل. ظروف الحياة علمتنا ان نخفي آلامنا ومعاناتنا. كل يحمل علّاته واوجاعه على كاهله كل يضغط على اسنانه ويبكي في الخفاء، ولكننيتعلمت امراً مهماً وهو ان لا ابكي على ما فاتني،على ما خسرت، على ما فاتتني من فرص الحياة،بقدر ما انظر الى الغد. عندما ينتابني شعوربالكدر، اسدل الستار عليه بسرعة، وانظر الى زاوية اخرى اكثر بشاشة من الحياة. اتذكر الصفحات المشرقة، واللحظات السعيدة. ساعتها أشعر بألف زهرة تزدهر في داخلي أهدأ، وتعود الي الصفاء والبسمة العذبة، وهكذا أريد من أولادي ان يفعلوا ان يتفاءلوا بالخير والسعادة دائما، ويبتعدوا عن المنغصات والامور التافهة التي تعيقهم في الحياة، يجب أن يحاربوا دائما، ولا يستسلموا ابدا لأنه هناك دائما أملا بتغيير الواقع مهما كان أقول لهم، سينتهي الألم، ربما ليس الآن، ولكن يجب عليهم أن يكون لديهم الايمان بأنه سينتهي عما قريب. اريدهم ان يؤمنوا بالله لأنهم في ساعات الضعف والخوف والتوتر والمرض يحتاجون الى تلك القوة العظيمة الخارقة التي تقف الى جانبهم، وتجنبهم الضرر والأذى. أريدهم أن ينظروا الى فوق، وان يبلغوا العُلا لكي لا يعيشوا على هامش الحياة. الآن ماذا اريد ان اكتب بالتأكيد اكتب الامور التي كنت احب لو كتبها أحد أجدادي. نحن نكتب بشكل يومي في مواقع التواصل الاجتماعي، وما أكثرها، ولكن كم من الاعوام ستبقى هذه المعلومات من بعدنا خصوصا وانه ما من حساب إلّا ويستطيعقراصنة الانترنيت دخوله وكشف اسراره، بل وتشويهه او إتلافه ما اكثر ما كتبت من قصص وحكايات جميلة وقصائد شعر، ولكن الفايروسات في جهاز الحاسوب كانت تتلف كل شئ. فاحيانا يكون عطب بسيط في الجهاز سببا في محو الكثير من المعلومات حتى انني عندما أكملت كتابة هذه السطور، وضعتها على ( فلاش) ولكن ما أن أردت مراجعتها على حاسوب اخر استعصى عليَّفتحها، ولحسن الحظ كنت قد حفظت النص في مكان آخر. اجد في الكتابة متعة كبيرة، فمنذ ان عبرت سنوات الدراسة الابتدائية كنت اكتب يومياتي حتى تجمعت لدّي دفاتر كثيرة كبيرة وصغيرة. وعندما التحقت بالثورة في بداية الثمانينيات من القرن العشرين شكلت تلك الدفاتر مشاكل لعائلتي، والغريب انهم احتفظوا بها رغم كل المضايقات، وعندما عُدت بعد عشرين سنة قالوا بانهم لا زالوا يحتفظون بها، ومع الاسف اتلفتهاجميعا لانني رأيتها امورا صبيانية. عشت بینعهدین، بین زمنين، بين الماضي والحاضر، بين زمن البداوة والخيام والتنقل بواسطة الحيوانات والقتال بالسيوف والبنادق القديمة، وزمنالانترنيت وعصر السرعة والاسلحة البايولوجية والهاتف المحمول والذكاء الصناعي. ولا زلت أحتفل كأي قروي بمواسم المطر، وتنتابني حالة كالسُكُرْعند الدراويش حالما أشمّ عطر الارض، وعندما اكون هائماً مع الطبيعة فان أنفاسي تنطلق مع الرياح،وربما تَرَون ان السطور القادمة تزيح اللثام عن نقوش ظلت مرتبطة بذاكرتي. بقي أن اقول بأنني وضعت عشرات الصور في متن هذا الكتابلمجموعة أسباب منها حتى تبقى كوثائق للموضوعات التي أثرتها، ولأحفظها من الضياع والاندثار. وهناك سبب أهم وهو ان القارىء يتلذذبالتفرج على الصور. ولا يمل القراءة. ثم ان احفادنا سيتعرفون على هيئاتنا وأشكالنا وملابسنا ومجتمعنا حتى منازلنا من خلال الصور، فالذي يُحب القراءة فأهلا وسهلا ومرحبا، ومن يريد ان يتفرج على ألبوم للصور فهلا ومرحبتين!!”.

قد يعجبك ايضا