التعافي من الحروب وأسلوب إدارة الدولة بعد الازمات

 

 

إعداد ـ التآخي

الحرب ليست مجرد مواجهة عسكرية تنتهي بوقف إطلاق النار، بل هي زلزال يفكك الروابط الاجتماعية والهياكل المؤسسية. العودة للحياة الاعتيادية عملية معقدة تُعرف دوليا بـ “بناء الدولة بعد الصراع”، وتعتمد عادة على مسارات متوازية تبدأ من اللحظة الأولى للسلام.

تشمل تلك العملية، المسار الأمني والسياسي بتثبيت الأرض ونزع السلاح وإعادة الدمج وهي الخطوة الأخطر، وتتمثل في سحب السلاح من الفصائل غير النظامية وإعادة دمج المقاتلين في الحياة المدنية أو المؤسسات العسكرية الرسمية لمنع العودة للعنف، وصياغة العقد الاجتماعي.

 وغالبا ما تتبع الحروب الحاجة لدستور جديد أو تعديلات قانونية تضمن التمثيل العادل لجميع فئات المجتمع، مما يقلل من فرص تجدد النزاع، اما المسار الاقتصادي والخدمي (إعادة الإعمار) فيتضمن إصلاح البنية التحتية الأساسية والتركيز الفوري على الخدمات التي تمس حياة المواطن اليومية، مثل شبكات الكهرباء، ومحطات تصفية المياه، والطرق الجسرية لربط المدن وتسهيل حركة التجارة، وتتضمن أيضا استقرار العملة والسياسة المالية و معالجة التضخم الناتج عن الحرب، وإعادة بناء النظام المصرفي لجذب الاستثمارات الخارجية وتنشيط الأسواق المحلية.

اما المسار الاجتماعي والنفسي (ترميم الإنسان)، فيتضمن تطبيق العدالة الانتقالية، وهي آلية لمواجهة انتهاكات الماضي، سواء عبر المحاكمات أو لجان “الحقيقة والمصالحة” (كما حدث في جنوب أفريقيا)، لضمان عدم بقاء رواسب الحقد بين أبناء المجتمع الواحد. ويجب معالجة الفجوات الطبقية فالحرب عادة ما تخلق طبقات “أثرياء حرب” تقابلها طبقات مسحوقة؛ لذا تعمل الدول على سياسات توزيع الأراضي أو منح الإسكان لتحقيق نوع من العدالة الاجتماعية. وفي العصر الحديث، تلجأ الدول الخارجة من النزاع لاستغلال التكنولوجيا كـ “قفزة” لتجاوز الروتين القديم، ويتوجب أتمتة الخدمات لتقليل الفساد الإداري الذي ينمو عادة في مراحل الفوضى، ومن الضروري اجراء الإحصاء السكاني بإعادة رسم الخارطة السكانية لفهم حجم النزوح والهجرة وتأثيرهما على سوق العمل والخدمات.

الإجراء الفوري الواجب لتحقيق الامن والاستقرار هو وقف إطلاق النار وحصر السلاح، الهدف طويل الأمد سيادة القانون والمؤسسات، اقتصاديا الهدف الفوري تأمين الغذاء والوقود، الهدف طويل الأمد، التنمية المستدامة والاستثمار،  

الهدف الاجتماعي الفوري، إغاثة النازحين، الطويل الأمد المصالحة الوطنية والسلم المجتمعي، وفي المجال العمراني الهدف الفوري، إزالة الأنقاض وفتح الطرق الهدف البعيد بناء مدن ذكية ومستدامة. إن نجاح هذه الإجراءات يعتمد بشكل أساس على الثقة؛ فبقدر ما يلمس المواطن جدية الدولة في تقديم الخدمات وتحقيق العدالة، تزداد سرعة التعافي والعودة للاستقرار.

 

 

وتعد تجارب الدول التي تعافت من الحروب “مختبرات” حقيقية في الصمود والإدارة، حيث اتبع كل منها انموذجا يتناسب مع طبيعة أزمته، سواء كانت الحرب عالمية شاملة أو أهلية مدمرة.

النموذج الألماني (إعادة الإعمار الصناعي والسياسي): بعد عام 1945، كانت ألمانيا بلدا محطما تقريبا، لكنها نهضت عبر مسارين، خطة مارشال جرى فيها تلقي دعم مالي ضخم من الولايات المتحدة، لم يوجه للاستهلاك بل لترميم المصانع الكبرى والبنية التحتية للطاقة والنقل، وجرى ابتكار انموذج اقتصادي يجمع بين حرية السوق وبين حماية اجتماعية قوية، مما قلص الفجوات الطبقية الناتجة عن دمار الحرب وأوجد سلما مجتمعيا سريعا؛ و  اللامركزية الإدارية  بتوزيع السلطات على الولايات (الأقاليم) لمنع عودة الدكتاتورية وضمان وصول الخدمات لكل منطقة حسب احتياجاتها المحلية.

في انموذج رواندا (المصالحة والتحول الرقمي)، بعد الإبادة الجماعية عام 1994، كانت رواندا دولة “فاشلة” بكل المقاييس، لكنها أصبحت اليوم “سنغافورة أفريقيا”، ولقد جرى تحقيق الاستقرار أولا بإنشاء محاكم الجاتشا (Gacaca)، بدلا من المحاكم التقليدية المعقدة، لجأت رواندا لمحاكم مجتمعية محلية لتحقيق المصالحة. ساعد هذا في ترميم النسيج الاجتماعي بدلا من الانتقام.

 وجرى تصفير البيروقراطية، اذ استثمرت الدولة في التكنولوجيا والأتمتة، فأصبح تأسيس شركة أو الحصول على خدمة حكومية يجري في غضون ساعات، مما قضى على الفساد الذي عادة ما يتبع الفراغ الإداري بعد الحروب، كما جرى تمكين المرأة حيث وضعت رواندا قوانين تضمن مشاركة المرأة في البرلمان والإدارة (تتصدر العالم في نسبة تمثيل النساء)، مما أسهم في استقرار الأسر والمجتمع.

اما النموذج الياباني (النهضة التكنولوجية والتعليمية)، فقد واجهت اليابان بعد الحرب العالمية الثانية دمارا نوويا وفقدانا كاملا للموارد، فاعتمدت على الاستثمار في رأس المال البشري وبما أن الموارد الطبيعية كانت معدومة، تم توجيه كل ميزانية الدولة نحو إصلاح التعليم والبحث العلمي. كما جرى اللجوء الى الشراكة بين القطاعين العام والخاص اذ دعمت الدولة الشركات الكبرى (مثل تويوتا وسوني) عبر سياسات ضريبية وجمركية تفضيلية، لتحويل الاقتصاد من اقتصاد حرب إلى اقتصاد تصديري تكنولوجي، وجرى ترسيخ الاستقرار التشريعي، اذ ركزت اليابان على سن قوانين ملكية فكرية وقوانين تجارية متطورة جذبت الاستثمار العالمي رغم دمار البنية التحتية حينها.

ويمكن تلخيص ما تبعته تلك الدول بما يأتي: في المانيا الأداة الرئيسة للتعافي الدعم الخارجي + الصناعة وركزت على إعادة بناء الهيكل الاقتصادي العملاق، رواندا أداة التعافي الرئيسة المصالحة المجتمعية + الرقمنة وركزت على ترميم الإنسان وتحديث الإدارة، اما اليابان فكانت اداتها الرئيسة للتعافي التعليم + التكنولوجيا واعتمدت على بناء قوة اقتصادية عبر “العقل” البشري.

 

الدروس المستفادة للدول النامية

 

الأمن أولا، اذ لا يمكن بناء حجر واحد في ظل تواجد سلاح منفلت أو عدم وضوح في القيادة الأمنية. ثانيا، الخدمات كمفتاح للشرعية فعندما توفر الدولة الماء، الكهرباء، والعدالة في توزيع الأراضي والعمل، تكتسب ثقة المواطن ويقل ميله للاحتجاج أو العنف. ثالثا واقعية الخطط، اذ ان الدول التي نجحت لم تحاول حل جميع المعضلات دفعة واحدة، بل بدأت بقطاعات “قاطرة” (مثل الطاقة في ألمانيا أو التكنولوجيا في رواندا) وسحبت معها بقية القطاعات.

 

 

وتعد التجربة الرواندية من أكثر النماذج إلهاما في التاريخ الحديث، ليس فقط بسبب حجم المأساة (فقدان نحو مليون إنسان في 100 يوم)، بل بسبب “الجرأة” في اتخاذ قرارات غير تقليدية للمصالحة والبناء.

فكيف جرى تحويل رواندا من “ساحة إبادة” إلى “أيقونة تنموية”، مثلما قلنا ابتكار “العدالة الشعبية” (محاكم الجاتشا)، كانت المعضلة الكبرى هي تواجد مئات الآلاف من المتهمين، ولو اعتمدت رواندا على القضاء التقليدي لاستغرق الأمر 100 عام. الحل: إحياء نظام “الجاتشا” (Gacaca)، وهي محاكم مجتمعية تقام في الهواء الطلق في القرى. الآلية، يجتمع الجيران ويواجه الضحايا الجناة؛ يعترف الجاني بذنبه ويطلب الصفح، وفي المقابل يحصل على حكم مخفف أو خدمة مجتمعية.

 النتيجة، لم تكن الأولوية “للعقاب” بقدر ما كانت “للحقيقة” ودمج الناس مجددا في نسيج واحد، وجرى إلغاء الهوية العرقية باتخاذ (دولة المواطنة)، فقد اتخذت القيادة الرواندية قرارا جذريا بـحظر التصنيف العرقي (هوتو وتوتسي) في الوثائق الرسمية والخطاب العام. الإجراء باستبدال الهويات الفرعية بهوية واحدة هي “أنا رواندي”، التطبيق: يُعاقب القانون على أي خطاب يحرض على التفرقة العرقية، وتم دمج المقاتلين من الطرفين في جيش وطني واحد لضمان عدم تواجد “قوة عرقية” تهدد الطرف الآخر.

وجرى تطبيق انموذج (العمل الجماعي الإلزامي) لتعزيز روح الوحدة، طبقت رواندا تقليد “أوموجاندا” (Umuganda)،  الفكرة انه في آخر يوم سبت من كل شهر، يتوقف الجميع عن العمل (من رئيس الجمهورية إلى أبسط مواطن) للمشاركة في تنظيف الشوارع، بناء المدارس، أو غرس الأشجار، الهدف هو  كسر الحواجز النفسية بين الناس؛ فحين يبني الجار بيت جاره الذي كان عدوه بالأمس، تترمم الروابط الاجتماعية عمليا لا نظريا.

وأدركت رواندا أنها دولة حبيسة (بلا سواحل) وقليلة الموارد، فاستثمرت في “العقل والخدمات” ونفذت  الرقمنة الشاملة تم بموجبها إطلاق منصة “إيريمبو” (Irembo)، حيث تقدم أكثر من 100 خدمة حكومية إلكترونيا، مما قلل الاحتكاك المباشر بالموظفين وقضى على الرشوة والفساد الإداري.

 واحتلت رواندا مراكز متقدمة عالميا في سهولة ممارسة الأعمال؛ حيث يمكنك تسجيل شركة في غضون 6 ساعات فقط عبر الإنترنت، وركزت على بناء بنية تحتية عالمية (فنادق ومركز مؤتمرات كيجالي) لتصبح وجهة دولية، مما وفر فرص عمل لآلاف الشباب. وآمنت رواندا أن المرأة هي الأكثر حرصا على السلم المجتمعي لأنها المتضرر الأكبر من الحرب.  النتيجة، اليوم، تمتلك رواندا أعلى نسبة تمثيل للمرأة في البرلمان على مستوى العالم (أكثر من 60%). هذا التمكين أدى إلى تشريعات تدعم التعليم والصحة واستقرار الأسرة، وهي ركائز الاستقرار بعيد المدى. لقد أثبتت تجربة رواندا أن الإرادة السياسية قادرة على تحويل “التنوع العرقي” من فتيل للحرب إلى مصدر قوة للبناء إذا ما أُدير بعدالة وشفافية، اذ ان “القواعد الشعبية” غالبا ما تكون أكثر ديمومة من الاتفاقيات السياسية التي تُوقع في الغرف المغلقة. في رواندا، لم يكن نظام “الجاتشا” مجرد جلسات عفوية، بل كان هندسة اجتماعية وقانونية دقيقة تطلبت إشرافا صارما لضمان عدم تحولها إلى ساحات للانتقام.

وبرغم أن القضاة في “الجاتشا” كانوا من أعيان القرى (أشخاص مشهود لهم بالنزاهة والصدق)، إلا أنهم خضعوا لتدريب مكثف من قبل وزارة العدل الرواندية، كانت هناك “محاكم استئناف” رسمية يمكن اللجوء إليها إذا شعر أحد الأطراف أن الحكم الشعبي كان منحازا، مما خلق توازنا بين العرف المحلي وسيادة القانون.

وبدلا من اكتظاظ السجون -الذي يستنزف ميزانية الدولة- أشرفت المؤسسات التنفيذية على تحويل العقوبات إلى خدمة عامة، فبدلا من سجن المحكوم عليه سنوات طويلة، كان يُكلف ببناء جسور، مدارس، أو شق طرق في القرى ذاتها التي تضررت. هذا الإجراء حقق هدفين، اقتصادي بإعمار البلاد بتكلفة أقل، ونفسي برؤية “الجاني” وهو يبني ويعمر، فيسهم ذلك في تقبل المجتمع لدمجه مرة أخرى. أشرفت مؤسسات الدولة على توثيق الاعترافات والشهادات كافة، التي قيلت في هذه المحاكمات، مما شكل “أرشيفا وطنيا للحقيقة”. هذا التوثيق منع تزوير التاريخ لاحقا وحمى الأجيال المقبلة من الوقوع في فخ إنكار ما حدث.

 

 

تطبيق نموذج كهذا في بيئات تعاني من انقسامات حادة يتطلب “مشرط جراح” من الدولة لعدة أسباب، من ذلك “هيبة الدولة” اذ يجب أن يكون الجهاز التنفيذي (الشرطة والقضاء الرسمي) قويا بما يكفي لحماية المشاركين في هذه الجلسات من أي ردود فعل انتقامية، وتطبيق العدالة لا الانتقام، اذ ان التحدي الأكبر هو منع تحول “المكاشفة” إلى “تراشق” يزيد من حدة الصراع؛ وهنا يأتي دور المؤسسات في توجيه الحوار نحو المستقبل المشترك بدلا من الغرق في مظالم الماضي فقط.

 

العراق والخروج من تبعات الحروب

 

وفي حين نجحت رواندا في تحويل المأساة إلى فرصة للبناء، واجه العراق تعقيدات بنيوية جعلت من ملفات “رد المظالم” عبئا إضافيا بدلا من أن تكون جسرا للمصالحة. إن ضياع الحقوق في ملفات الأراضي، والمفصولين السياسيين، وتعويضات المتضررين، وغير ذلك الكثير في العراق يرجع لعدة أسباب مؤسساتية وإدارية يمكن تلخيصها في “تسييس” الهيئات المستقلة، اذ جرى تشكيل هيئات متخصصة (مثل هيئة دعاوى الملكية، ولجنة إعادة المفصولين)، ولكن بدلا من أن تعمل على وفق معايير مهنية بحتة، خضعت في كثير من الأحيان لمنطق المحاصصة. هذا أدى إلى انتقائية في إعادة الحقوق بناء على القرب من مراكز القوى، مع بطء شديد في حسم القضايا، مما جعل المواطن يفقد الثقة في “عدالة المؤسسة”. وترسخ الفساد الإداري و”الابتزاز القانوني” وتحولت المعاملات القانونية لرد الحقوق إلى “سلعة” في سوق الفساد بضياع الأرشيف، استغلت بعض الجهات فقدان أو إتلاف السجلات العقارية والوظيفية خلال أحداث 2003 لتزوير مستندات أو حجب أخرى عن أصحابها الشرعيين. ان تعدد الحلقات الإدارية فتح الباب أمام “المعقبين” والرشاوى، حيث يضطر صاحب الحق لدفع مبالغ تفوق أحيانا قيمة التعويض نفسه ليحصل على حقه. وفي ملف الأراضي تحديدا، ظهرت فجوة طبقية واضحة؛ ففي حين جرى تخصيص مساحات شاسعة في مناطق متميزة لجهات معينة تحت مسميات مختلفة، بقيت شرائح واسعة من المستحقين الفعليين (مثل ذوي الدخل المحدود أو ضحايا الحروب) ينتظرون قطعا في مناطق تفتقر لأدنى الخدمات الأساسية.

كما ان ملف إعادة المفصولين، برغم عدالته من الناحية المبدئية، جرى إغراقه بآلاف الأسماء غير المستحقة (الفضائيين أو أصحاب الشهادات المزورة)، مما تسبب في ترهل الجهاز الإداري للدولة، و تعقيد الإجراءات أمام المستحقين الفعليين الذين ضاعت حقوقهم وسط هذا “الزحام” المفتعل.

الذي افتقده العراق مقارنة بأنموذج رواندا، وما يطرحه الواقع العراقي هو غياب الإرادة الرقمية والشفافية الاجتماعية؛ في رواندا، كانت اللقاءات علنية (كما ذكرنا عن الجاتشا)، فلا يجرؤ أحد على تزوير حق تواجد شهود العيان من أهل المنطقة. في العراق، تجري المعالجات في “غرف إدارية مغلقة” خلف أكوام من الأوراق التي يمكن التلاعب بها بسهولة.

 

قد يعجبك ايضا