اعداد ـ التآخي
العلاقة بين أزيز الرصاص في المضائق وبين سعر “رغيف الخبز” هي علاقة عضوية ومباشرة، وما نلاحظه في أسواق بغداد أو البصرة من ارتفاع في الأسعار ليس مجرد صدفة، بل هو نتاج تعقيدات لوجستية واقتصادية تفرضها النزاعات المسلحة على الأمن الغذائي.
فكيف تخنق النزاعات المسلحة “مائدة الشعوب”؟
تؤثر الحرب في مضائق حيوية مثل هرمز وبابالمندب على الأمن الغذائي عن طريق ثلاثة محاور رئيسة اولها تعطل سلاسل الإمداد، فالعراق ودول الخليج يستوردون جزءا كبيرا من احتياجاتهم الغذائية (خاصة الأرز، السكر، والزيوت) عبر هذه الممرات، وان أي تهديد للملاحة يعني تأخر وصول الشحنات أو اضطرارها لسلوك طرق أطول وأكثر كلفة.
الامر الآخر هو جنون تكاليف التأمين والشحنفقفزة تأمين الحرب التي وصلت لـ 1% من قيمة السفينة في نيسان 2026، تضاف مباشرة إلى سعر السلعة النهائي. التاجر العراقي لا يتحمل هذه الزيادة، بل يمررها للمستهلك.
وهناك أزمة الأسمدة والطاقة، اذ ان مضيق هرمز ليس ممرا للنفط فقط، بل يمر عبره نحو ثُلث تجارة الأسمدة العالمية، وان ارتفاع أسعار الأسمدة والوقود (الذي قفز لمستويات قياسية في آذار 2026) يرفع تكلفة الإنتاج الزراعي المحلي أيضا، وليس المستورد فقط. فماذا عن العراق والأمن الغذائي في ظل حرب 2026؟ برغم التحديات، هناك مفارقة في الوضع العراقي الحالي وفقا للبيانات الأخيرة، اذ عد الخزين الاستراتيجي خط دفاع؛ فقد أعلنت وزارة التجارة العراقية مؤخرا أن مخزون الحنطة يؤمن حاجة البلاد حتى نهاية عام 2026، بفضل مواسم الحصاد الناجحة والسياسات التخزينية، هذا يعني أن “الخبز الأساسي” محمي نسبيا من التقلبات اللحظية للمضيق.
ومقابل ذلك حدث الارتفاع في “السلة الغذائية الموازية”، اذ ان الزيادات في الاسعار التي نلاحظها تتركز غالبا في المواد التي يعتمد العراق فيها على الاستيراد أو المدخلات الخارجية، مثل، اللحوم والبيض، اذ تأثرت بارتفاع أسعار الأعلاف المستوردة وصعوبة وصولها، وكذلك الزيوت والسكر والرز وهي مواد حساسة جدا لأسعار الشحن البحري، اما الخضروات غير الموسمية فتتأثر بتكاليف النقل البري والوقود.
ووفقا لتقارير دولية (في آذار 2026)، يخشى أن تدفع الحرب الحالية في المنطقة نحو 45 مليون شخص إضافي عالميا إلى حافة الجوع الحاد،وفيما يتعلق بالعراق، التأثير لا يظهر كـ “مجاعة” (بسبب الوفرة المالية من النفط)، بل يظهر كـ “تضخم مستورد“ ينهك القوة الشرائية لذوي الدخل المحدود.
للحد من هذه التداعيات، لجأت الحكومة العراقية لعدة إجراءات في 2026، منها تفعيل “الروزنامة“الزراعية بمنع استيراد بعض المحاصيل عند توفر المنتج المحلي لدعم الفلاح وحمايته من تذبذب الأسعار العالمية، وكذلك تنويع مصادر الاستيراد، والبدء بالاعتماد على منافذ برية وسواحل بعيدة عن مناطق النزاع المباشر لضمان تدفق السلع، والرقابة على الأسواق بمحاولة قطع الطريق على “تجار الأزمات” الذين يستغلون أخبار الحرب لرفع الأسعار بشكل غير مسوغ.
ان الأمن الغذائي في العراق اليوم يقف في “منطقة وسطى”؛ فهو محمي بإنتاج محلي قوي من الحنطة، لكنه مكشوف أمام اضطرابات المضائق في كل ما يخص المواد التكميلية والمدخلات الصناعية، مما يفسر الغلاء الذي تلمسه في الأسواق.
أن التوسع في “الزراعة الصحراوية” واستغلالتقنيات الري الحديثة يمكن أن يكون الحل الجذري للعراق لتقليل اعتماده على استيراد الغذاء عبر المضائق القلقة، فالتشخيص الفني للمشكلة متواجد، لكن الفجوة تكمن في “الإرادة التنفيذية” والبيروقراطية التي تعوق التحول الجذري. العراق يمتلك موارد أرضية ومائية (برغم شحتها) يمكن أن تجعل منه سلة غذاء إقليمية، لكن الاعتماد المفرط على الريع النفطي جعل من “الاستيراد عبر المضائق” الحل الأسهل والأسرع، وإن كان الأخطر استراتيجيا.
لماذا لا تتحرك الجهات المعنية بفعالية؟
هناك عدة أسباب “هيكلية” تفسر هذا البطء في الاستجابة أهمها عقلية “الدولة الريعية” طالما أن إيرادات النفط تتدفق (بأسعار مرتفعة بسبب الحرب نفسها)، فإن الحكومة تجد أن تمويل استيراد الغذاء أيسر من بناء قطاع زراعي متكامل بحاجة لسنوات من الاستثمار، وانالقوانين القديمة والنزاعات على الأراضي تجعل من الصعب إقامة “مشاريع زراعية كبرى” (Mega Farms) التي تعتمد على المكننة والري الحديث، كما تتواجد أزمة المياه العابرة للحدوداذ ان التردد في الاستثمار الزراعي يعود أحيانالعدم اليقين بشأن حصص العراق المائية من دول الجوار، مما يجعل المزارع والمستثمر يخشون الفشل، وبرغم تزايد المياه حاليا بسبب الامطار فان قدم وتخلف أماكن خزن المياه في العراق يولد الخشية من ضياعها.
ان الزراعة الذكية بديل للمضائق القلقة فتحديث أساليب الري والزراعة ليس مجرد “رفاهية”، بل هو ضرورة أمن قومي. التوجه نحو الري بالرش والتنقيط والزراعة المغطاة (البيوت الزجاجية) يوفر 80% من المياه، مما يسمح بزراعة مساحات شاسعة في بادية السماوة والأنبار والنجف مثلا باستغلال المياه الجوفية المستدامة، وان ذلك يعني استمرارية الإنتاج، اذ ان الزراعة المحمية لا تتأثر بتقلبات المناخ وتوفر محاصيل الخضروات طوال العام، مما يكسر احتكار الاستيراد البحري.
ولكي يتحرك الملف الزراعي في العراق بعيدا عن تداعيات حرب هرمز وباب المندب، يقترح الخبراء ما يلي: توطين الصناعات الغذائية فبدلا من استيراد “الزيت المعلب”، يجب زراعة المحاصيل الزيتية محليا وإنشاء مصانع تكرير، لتقليل عدد السفن التي نحتاج لتأمينها في المضائق.
ويتوجب الشراكة مع القطاع الخاص بإعطاء مساحات شاسعة من الأراضي الصحراوية لشركات كبرى متخصصة مقابل إدخال تقنيات الري الحديثة، بدلا من الاعتماد على الدعم الحكومي المباشر المتعثر، وتفعيل صندوق السيادة الغذائية بتخصيص جزء من وفرة أسعار النفط الحالية لتمويل قروض بلا فوائد للمزارعين لاقتناء منظومات الري بالرش، لتقليل الهدر المائي فورا.
وإذا استمرت الجهات المعنية في عدم التحرك، فإن العراق سيبقى رهينة لابتزاز شركات التأمينوان أي انفجار في المضيق سيؤدي لقفزة فورية في أسعار السوق العراقية، كما يجري استنزاف العملة الصعبة بذهاب مليارات الدولارات سنوياللخارج لشراء مواد يمكن إنتاجها محليا، كما تتفاقم الهجرة من الريف نتيجة فقدان فرص العمل الزراعية وتحول الفلاحين إلى عمالة غير منتظمة في المدن، مما يزيد الضغط الاجتماعي.
ان العراق اليوم في سباق مع الزمن؛ فإما أن تتحول “صدمة الأسعار” الحالية إلى دافع لتغيير السياسة الزراعية وتحديث الري، أو سنظل ننتظر أخبار السفن في باب المندب لنعرف سعر “عشاء العائلات“.
فهل أن “الضغط الشعبي” الناتج عن غلاء المعيشة قد يجبر أصحاب القرار على الالتفات للملف الزراعي بجدية أكبر هذه المرة؟
لقد ادى بعض التدخل الحكومي في خفض بعض الاسعار فيما يتعلق بالفواكه والخضر بعد تصاعد شكاوى المواطنين بخاصة من ذوي الدخل المحدود والفقراء وبعد تناول الاعلام ذلك، اما على صعيد المواد الغذائية الجافة مثل زيوت الطبخ وغيرها فلم تزل اسعارها مرتفعة ففيما يتعلق بالزيوت ارتفعت السعر الى الضعف. هذا الوصف للواقع الميداني في الأسواق العراقية يكشف عن “فجوة السيطرة” التي تعاني منها الإجراءات الحكومية؛ وهي القدرة على الدفع في المحاصيل الموسمية مقابل العجز أمام السلع الصناعية المستوردة.
ان بعض النجاح في مجال السيطرة على اسعار“الخضروات” مقابل إخفاق المواد المصنعة ومن ذلك “الزيوت” يأتي لأسباب هيكلية، فالخضروات والفواكه (الإنتاج القريب) تعتمد جزئيا على الإنتاج المحلي أو الاستيراد البري من دول الجوار (إيران، تركيا، الأردن)، والتدخل الحكومي هنا أسرع عبر “فتح الاستيراد” أو “تفعيل الرقابة” على علاوي المخضر، لأن السلسلة اللوجستية قصيرة ولا تمر بالمضائق الملتهبة بالضرورة.
اما زيوت الطبخ (المواد الجافة المستوردة) ففيهاتكمن العقدة؛ فالعراق يستورد معظم زيوت الطعام الخام من مناشئ بعيدة (مثل جنوب شرق آسيا أو أمريكا الجنوبية)، هذه الشحنات تمر حتما عبر مضيق هرمز أو تلتف حول رأسالرجاء الصالح، وتخضع لأعلى نسب تأمين مخاطر الحرب لأنها مواد “استراتيجية”، وتشحن في ناقلات ضخمة تتأثر فورا بأسعار الوقود العالمية التي اشتعلت بسبب الحرب.
ان وصول سعر الزيت إلى الضعف ليس ناتجافقط عن الجشع، بل عن تداخل ثلاثة عوامل خانقة، تتعلق بكلفة الشحن العابرة للقاراتفالسفينة التي كانت تدفع تأمينا بسيطا، باتت تدفع الآن مئات الآلاف من الدولارات الإضافية لتعبر نحو الموانئ العراقية، والتاجر العراقي يشتري “بالدولار” ويحمل كافة التكاليف على “البطل” الواحد.
والعامل الآخر هو عقود الاستيراد الآجلة اذ ان الزيوت تشترى بعقود طويلة؛ وعندما بدأت الحرب في المضيق، ألغت بعض الشركات الموردة عقودها القديمة وفرضت أسعارا جديدة بناء على “مخاطر المنطقة”، مما أحدث صدمة سعرية مفاجئة، وكذلك ان غياب المصانع الوطنية له تأثير حاسم، فلو كان لدى العراق مصانع لتكرير الزيوت تعتمد على بذور تزرع محليا، لما تأثر المواطن بهذا الشكل الكارثي، ان الاعتماد يجري بنسبة 100% على “المادة الجاهزة” المستوردة ما يجعل مائدة الفقير رهينة لأمن المضائق. ان زيوت الطبخ هي مادة “غير مرنة الطلب”؛ أي أن الفقير لا يستطيع الاستغناء عنها مهما غلا ثمنها، و عندما يتضاعف سعر الزيت، يضطر ذوو الدخل المحدود لقطع ميزانية التعليم أو الصحة لتأمين وجبة الطعام ما يتسبب في تآكل الدخل. ان تناول الإعلام لهذا الموضوع والضغط الشعبي هو “المحرك الوحيد” حاليا، لكن الحلول الحكومية تبقى “تسكينية” (مثل زيادة حصص البطاقة التموينية) من دون حل أصل المشكلة وهو الأمن الغذائي المستدام.
التدخل للسيطرة على الأسعار
قد يكون التدخل في تسعير الخضروات نجح، ولكن السيطرة على أسعار المواد الجافة (الزيوت، السكر، الرز) تتطلب إجراءات استثنائية في ظل الحرب الحالية، من ذلك دعم الشحن الحكومي ايأن تتولى شركة النقل البحري العراقية نقل هذه المواد الأساسية بضمانات سيادية لتقليل كلفة التأمين الخاصة، و تصفير الرسوم الجمركية لمدةمؤقتة على الزيوت والمواد الجافة لتعويض فرق سعر التأمين العالمي، ويتوجب تفعيل “الأمن الغذائي” فعليا، و البدء فورا بإنشاء صوامع ومخازن عملاقة تستوعب خزينا يكفي لعام كامل، لتجنب تقلبات “يوم بيوم” التي تفرضها أحداث المضائق.
وفيما يحتفل الناس بكرة القدم كـفرح مشروع، تظل الحقيقة المرة في “البقالة” المجاورة؛ حيث يكتشف المواطن أن السياسة الدولية وتأمين الناقلات هما من يحددان اليوم كمية الزيت في قدر طعامه حتى لا يتحول استمرار ارتفاع أسعار الزيوت والسلع الأساسية إلى “موجةاحتجاجات” تفوق قدرة الحكومة على التهدئة الإعلامية.
ومن زاوية أخرى تؤدي الحروب إلى تدمير شامل للاقتصادات، اذ تتحول الموارد نحو الإنتاج العسكري (اقتصاد الحرب) على حساب الاستهلاك المدني، مما يسبب تضخما، وتراجعافي الناتج المحلي، ودمارا للبنية التحتية. تشمل الآثار طويلة المدى تراكم الديون، هرب الاستثمارات، ظهور “اقتصاد الظل” غير الرسمي، وتعطيل سلاسل الإمداد العالمية.
وان من أبرز تداعيات الحرب على الاقتصادالتحول الى اقتصاد الحرب بإعادة تنظيم الموارد الصناعية والمالية لدعم المجهود الحربي، مما يضعف القطاعات المدنية، وتزايد الضغوط التضخمية بارتفاع الأسعار بشكل حاد نتيجة نقص السلع وزيادة الإنفاق الحكومي على الدفاع، وتدمير البنية التحتية بانهيار المصانع، والطرق، والمؤسسات التعليمية، مما يستنزف الرأسمال الوطني.
ومن التداعيات أيضا هرب الاستثمارات اذ ان انعدام اليقين يدفع المستثمرين الأجانب للخروج، مما يعوق النمو الاقتصادي، وتتضرر سلاسل الإمداد بتعطل النقل والشحن الذي يؤدي إلى أزمات في توفر السلع عالميا ومحليا، وتنشأشبكات تهريب وجباية غير رسمية تقوض سيادة الدولة الاقتصادية وتستمر حتى بعد انتهاء النزاع.
ومن مآلات الحروب الاقتصادية، ان الدول تستعمل العقوبات، والحصار، وتجميد الأصول كأدوات لإضعاف الخصوم، مما يؤدي إلى انهيار العملة، وزيادة الديون، وافتعال أزمات تمس أمن الغذاء والطاقة.
ويلائم مفهوم الحرب الاقتصادية أكثر ما يلائم النزاعات بين الدول، لا سيما في أوقات الحرب الشاملة، التي لا تتضمن القوات المسلحة للدولة المعادية وحسب، بل تستهدف استنفارا كاملالاقتصاد تلك الدولة في سبيل المجهود الحربي، وفي مثل هذا الوضع، يؤدي إلحاق ضرر باقتصاد العدو مباشرة إلى الإضرار بقدرته على خوض الحرب، فاقتصاد الحرب (في الحروب التقليدية) هو مجموعة من إجراءات الطوارئ التي تتخذها الدولة الحديثة لتعبئة اقتصادها للإنتاج في مرحلة الحرب، ويصف الأستاذ في قسم الجغرافيا وكلية السياسة العامة والشؤون العالمية بجامعة كولومبيا البريطانية فيليب لو بيلون اقتصاد الحرب بأنه “نظام إنتاج الموارد وتعبئتها وتخصيصها لدعم المجهود الحربي“،وتتضمن بعض التدابير المتخذة زيادة معدلات الضرائب، وكذلك طرح برامج تخصيص الموارد،وغني عن القول إن كل بلد يتناول إعادة تكوين اقتصاده بطريقة مختلفة.