صادق الازرقي
شيئا فشيئا يتحول التخطيط العمراني من مجرد تنظيم للمباني، إلى أداة لإنقاذ الصحة العامة وتحسين جودة الحياة.
وفي العراق نشهد دائما تداخلا قسريا بين منازل السكان والنشاطات الصناعية الملوثة للبيئة، ففي كثير من المناطق تفتتح ورش تصليح السيارات مثلا، في داخل الاحياء السكنية كما في منطقة الطالبية ببغداد مثلا، فيما لا يلتفت السكان الى المخاطر البيئية والصحية الناجمة عن ذلك.
ان أهمية التخطيط العمراني تكمن في تقليل التلوث وتوفير بيئة صحية، فعن طريق الإدارة الذكية للتنقل يجري تقليل الانبعاثات؛ وانالتخطيط الناجح بحسب تجارب الدول، يعتمد على ما يسمى “المدن المتراكمة” أو “مدينة الـ 15 دقيقة”، اذ تتوزع الخدمات والمرافق بحيث تنتفيالحاجة لقطع مسافات طويلة بالسيارة.
فائدة ذلك تقليل استهلاك الوقود وانبعاثات الكربون الضارة الناتجة عن الازدحامات المرورية، التي تعد المصدر الأول لتلوث الهواء في المدن المكتظة.
يعمل التخطيط على عزل المناطق الصناعية والورش المقلقة للراحة والمسببة للتلوث عن المناطق السكنية بمسافات كافية واتجاهات ريح مدروسة، وفائدة ذلك حماية السكان من الغازات السامة، والضجيج الصناعي، والمخلفات الكيميائية التي قد تتسرب للتربة أو المياه الجوفية القريبة من المنازل.
وكذلك ان تنظيم المدن يفرض تخصيص نسب مئوية ثابتة للمساحات الخضر والحدائق العامة والتشجير حول الطرق السريعة، وفائدته عملالأشجار كمصاف طبيعية لامتصاص غاز ثاني أكسيد الكربون واحتجاز الغبار، وهو تحد كبير في أجوائنا في العراق، فضلا عن خفض درجات الحرارة وتلطيف الجو.
ان التخطيط المسبق يضمن تواجد شبكات صرف صحي ومحطات معالجة تستوعب النمو السكاني، وتحديد مواقع علمية لطمر أو تدوير النفايات بعيدا عن مجاري الأنهار، والغرض من ذلك منع تلوث المياه، كما يحدث عند اختلاط مياه الأمطار بالمجاري أو تسربها للأنهار؛ والحد من انتشار الأوبئة والحشرات المرتبطة بتراكم النفايات.
تنظيم المدن يحدد ارتفاعات المباني والمسافاتبينها لضمان دخول ضوء الشمس وتخلل التيارات الهوائية بين الأحياء، وذلك يقلل الحاجة للإضاءة الاصطناعية والتكييف المستمر، مما يقلل من استهلاك الطاقة ومن ثم تقليل التلوث الناتج عن محطات توليد الكهرباء أو المولدات الأهلية.
ان المدينة المخططة عمرانيا تمتاز بجودة الهواءالتي تكون عالية بسبب التشجير وقلة الازدحام، اما المدينة العشوائية غير المنظمة فجودة الهواء فيها منخفضة بسبب عوادم السيارات والمولدات، والتلوث السمعي في المدن المخطط لها منخفضوذلك نتيجة عزل المناطق السكنية، اما فيالمناطق العشوائية فالتلوث السمعي مرتفع لتداخل الورش مع المنازل.
إدارة النفايات في المدن المخطط لها منظمة بجمع وتدوير دوري، وفي المناطق العشوائية تتراكم وتحرق في الساحات، كما ان المساحات الخضرفي المدن المخطط لها مدروسة وتعمل كمتنفس صحي، فيما العشوائيات شبه منعدمة لصالح الكتل الخرسانية.
يمكن القول، ان التخطيط العمراني ليس رفاهية هندسية، بل هو خط الدفاع الأول عن صحة المواطن وجهازه التنفسي، وهو الحل الجذري الذي يغني عن الحلول الترقيعية المؤقتة.
لقد اثبتت بعض المدن المخطط لها في العراق مثلمدينة بسماية السكنية ونجاحها، ان التخطيط العمراني السليم يؤدي الى ظهور مجمعات سكنية ببيئة نظيفة تحوي جميع مقومات البيئة السليمة.