إعداد ـ التآخي
من أكثر الحقائق إيلاما في التاريخ البشري، هي الفجوة الهائلة بين “صانع القرار” و “متلقي الضربة”. هذه المقولة تجد صدى كبيرا في العلوم السياسية وعلم الاجتماع الحربي، وتلخصها العبارة الشهيرة “الحروب يخوضها الشباب الذين لا يعرفون بعضهم، من أجل كبار في السن يعرفون بعضهم جيدا ولا يقتلون بعضهم”.
فهل الأنظمة هي وحدها من يشعل الحروب؟ بشكل عام، هذه الفرضية صحيحة إلى حد كبير، ولكنها تتضمن بعض التعقيدات، ففي معظم النظم (سواء كانت ديمقراطية أو سلطوية)، يتركز قرار إعلان الحرب في أيدي “النخبة السياسية والعسكرية”. الشعوب نادرا ما يجري استفتاؤها قبل إطلاق الرصاصة الأولى.
تلجأ بعض الأنظمة لإشعال صراعات خارجية لتصدير أزماتها الداخلية. إذا كان هناك احتقان شعبي ضد الحكومة، فإن خلق “عدو خارجي” يوحد الناس خلف القيادة (تسمى هذه الظاهرة في السياسة بـ Rally ’round the flag effect).
أحيانا، تنجح الماكينة الإعلامية في شحن الشعوب لدرجة تصبح فيها الجماهير هي من تطالب بالحرب نتيجة تعبئة قومية أو دينية شديدة، وهنا يتحول الشعب من ضحية محتملة إلى “وقود” متحمس للعملية في بدايتها، قبل أن يكتشف مرارة النتائج لاحقا.
لا تبدأ الحروب فجأة، بل هي نتاج “مسار تصعيدي” يتكون من عدة مراحل، في طليعة ذاك معضلة الأمن (Security Dilemma)، و هذا مفهوم أساسي في العلاقات الدولية؛ عندما تقوم دولة “أ” بتقوية جيشها لأغراض دفاعية، تظن الدولة “ب” أن هذا تهديد لها، فتقوم هي الأخرى بالتسلح. يستمر هذا السباق حتى يصل الطرفان إلى قناعة بأن “الهجوم الاستباقي” أفضل من انتظار هجوم الطرف الآخر.
المرحلة الأخرى تتمثل في فشل الدبلوماسية وغياب الثقة عندما تصبح المواقف السياسية متصلبة (Zero-sum game)، أي أن “مكسبك هو خسارتي الحتمية”، تنسد قنوات الحوار. هنا، يرى القادة أن الحرب هي “استمرار للسياسة ولكن بوسائل أخرى” (كما قال المفكر العسكري كلاوزفيتز).
و لكي يقنع النظام السياسي شعبه بالحرب، يجب أن يحول “الطرف الآخر” من بشر لهم حقوق إلى “وحوش” أو “شياطين” او “تهديد وجودي”، ويجري استغلال الإعلام لشحن العواطف، وبمجرد أن تسقط القيمة الإنسانية للآخر في عيون الشعب، يصبح إشعال الحرب سهلا سياسيا.
و غالبا ما تكون الشعارات السياسية (كرامة، حدود، حقوق تاريخية) مجرد غطاء لدوافع اقتصادية عميقة: السيطرة على منابع الطاقة أو المياه، و فتح أسواق جديدة، و تنشيط مصانع السلاح (المجمع الصناعي العسكري).
وفيما يجلس القادة في غرف محصنة بخرائط ملونة، تعيش الشعوب الآثار التالية: التدمير المنهجي للبنية التحتية، ضياع عقود من التنمية (كهرباء، ماء، مستشفيات) في أيام قليلة، التضخم وانهيار المعيشة: تحويل ميزانية الدولة من “الرفاه والتعليم” إلى “الذخيرة والموت”. التمزق الاجتماعي: النزوح، اللجوء، وفقدان المعيل، مما يخلق جيلا يعاني من صدمات نفسية (PTSD) تمتد آثارها الاجتماعية لسنوات طويلة.
الخلاصة ان الحرب هي “فشل السياسة”. الأنظمة غالبا ما ترى الحرب كـ “رقعة شطرنج” لتحقيق مكاسب استراتيجية، بينما تراها الشعوب كـ “مقبرة” لأبنائهم ومستقبلهم. التغلب على هذا التضارب يتطلب نظما ديمقراطية حقيقية تسمح بمساءلة القادة، وإعلاما حرايكشف زيف التعبئة العسكرية قبل وقوع الكارثة.
ان العالم ليس غابة تماما، لكنه أيضا ليس “مدينة فاضلة” تحكمها القوانين بصرامة مطلقة. التدخل الدولي لمنع الحروب أو إيقافها يعتمد على منظومة قانونية ومؤسسية معقدة، تهدف إلى وضع لجام على قرارات القادة المتهورة.
ومجلس الأمن الدولي هو الجهاز الوحيد في الأمم المتحدة الذي يمتلك قرارات ملزمة قانونا. يعتمد تدخله على “ميثاق الأمم المتحدة”، وتحديدا: الفصل السادس (التسوية السلمية): هنا يتدخل المجلس كـ “وسيط”؛ يقترح حلولا، يرسل مبعوثين، ويحث الأطراف على التفاوض قبل اندلاع الحرب.
إذا اندلعت الحرب أو هددت السلم العالمي، يمتلك المجلس صلاحيات قاسية “الفصل السابع”، العقوبات الاقتصادية بعزل النظام سياسياواقتصاديا (تجميد أموال القادة، حظر السلاح) للضغط عليهم لإيقاف القتال. التدخل العسكري: ترخيص استعمال القوة ضد الدولة المعتدية (كما حدث في حرب تحرير الكويت 1991).
وتقوم المحاكم الدولية بملاحقة “صناع الحرب” شخصيا، المحكمة الجنائية الدولية (ICC): لا تحاكم الدول، بل تحاكم الأفراد (رؤساء، قادة جيوش). عندما يعرف القائد أنه قد يُساق إلى “لاهاي” بتهمة ارتكاب “جرائم حرب” أو “عدوان”، فقد يفكر مرتين قبل إشعال الفتيل.
محكمة العدل الدولية (ICJ): تفصل في النزاعات بين الدول (مثل النزاعات الحدودية). دورها وقائي؛ فهي تحل الأسباب التي قد تؤدي للحرب قبل أن تبدأ.
عندما تتوقف المدافع بـ “اتفاق وقف إطلاق نار”، يتدخل المجتمع الدولي بإرسال قوات حفظ السلام” (القبعات الزرق) هذه القوات لتعمل كـ “حائط صد” بشري بين الجيوش المتحاربة، مما يمنع تجدد الصراع ويحمي السكان المدنيين في المناطق الساخنة.
وهناك مبدأ “المسؤولية عن الحماية”، و هوحديث نسبيا (اعتُمد عام 2005)، وينص على أنه إذا فشلت الدولة في حماية شعبها من الإبادة أو جرائم الحرب، أو كانت هي من ترتكبها، فإن المجتمع الدولي لديه “مسؤولية جماعية” للتدخل (حتى عسكريا) لحماية المدنيين.
فشل القرارات الدولية في ايقاف الحروب
الدول الخمس الكبرى في مجلس الأمن يمكنها إحباط أي قرار لإيقاف حرب إذا كانت مصالحها (أو مصالح حلفائها) مرتبطة بها. هذا يجعل القانون الدولي أحيانا “سيفا على الضعفاء فقط”، كما تغيب “الشرطة العالمية”، فالأمم المتحدة لا تملك جيشا خاصا بها؛ هي تعتمد على مساهمات الدول، إذا رفضت الدول الكبرى التدخل، تظل القرارات حبرا على ورق، وغالبا ما تتذرع الأنظمة بأن ما تفعله هو “شأن داخلي” لرفض أي تدخل دولي يحمي السكان، ودورالقانون والسياسة يتركز في إقناع القادة بالتراجع وتجنيب الناس ويلات الحرب قبل وقوعها، ويندرج ضمن ذلك
العقوبات كضغط اقتصادي على النظام، تمثلسلاح ذو حدين، قد تضعف النظام، لكنها غالباما تزيد من معاناة الشعب المعيشية. القضاء الدولي يفترض ان يلاحق القادة مشعلي الحروبجنائيا، بهدف تحقيق “العدالة الرمزية” وردع الطغاة المستقبليين.
فهل ان العقوبات الاقتصادية الدولية، هي فعلاأداة لإيقاف القادة، أم أنها “عقاب جماعي” للشعوب التي تكتوي بنار الفقر بدلا من نار الحرب؟
العقوبات الاقتصادية هي إحدى أكثر الأدوات إثارة للجدل في العلاقات الدولية؛ فهي توصف بأنها “البديل المتحضر للحرب”، لكنها في الواقع قد تكون “حربا صامتة” تفتك بالشعوب بينما يظل القادة في مأمن.
الفكرة بسيطة في ظاهرها: عندما تخالف دولة القانون الدولي أو تهدد السلم، يتم عزلها اقتصاديا. الهدف هو الضغط على النظام الحاكم من خلال تجفيف منابع تمويله، أو دفع الشعب للاحتجاج ضد النظام بسبب تدهور المعيشة، مما يجبر القادة على تغيير سلوكهم.
الوسائل: تجميد الأرصدة البنكية، حظر تصدير النفط أو استيراد التكنولوجيا، ومنع التعاملات المصرفية الدولية (مثل نظام سويفت).
فلماذا يتأذى الشعب وينجو القائد؟ غالبا ما تؤدي العقوبات الشاملة إلى نتائج عكسية تمامالما هو مخطط له: تعزيز سلطة النظام، بدلا من إضعاف “القائد“، تمنحه العقوبات “شماعة” مثالية يعلق عليها كل فشل إداري أو فساد داخلي. يظهر النظام بمظهر “المدافع عن السيادة” ضد “المؤامرة الخارجية”، مما يعزز القبضة الأمنية بحجة حالة الطوارئ.
وبظل العقوبات ينشأ “اقتصاد الظل”: تؤدي العقوبات إلى اختفاء السلع الأساسية من السوق الرسمي، مما يفتح الباب لعصابات التهريب والمرتبطين بالسلطة للسيطرة على السوق السوداء. هؤلاء يزدادون ثراء من الأزمة، فيماتسحق الطبقة الوسطى والفقيرة.
بالعقوبات الاقتصادية، المواطن البسيط هو من يفقد وظيفته، وهو من يعاني من انهيار العملة وتضاعف الأسعار، وهو من يواجه نقص الدواء بسبب تعقيدات الاستيراد، حتى لو كانت الأدوية مستثناة رسميا من العقوبات (بسبب تخوف البنوك العالمية من إجراء أي تحويلات).
التاريخ القريب، وتحديدا في منطقة الشرق الأوسط، قدم للعالم درسا لا يُنسى؛ العقوبات التي فُرضت على العراق في التسعينات كانت الأقسى في التاريخ الحديث؛ فقد أدت إلى تدمير البنية التحتية وانهيار التعليم والنظام الصحي بشكل كارثي، بينما لم يتغير النظام السياسي آنذاك بفعالية نتيجة تلك العقوبات وحدها، بل بفعل عسكري مباشر.
بسبب هذه النتائج الكارثية، انتقل المجتمع الدولي إلى ما يسمى “العقوبات الذكية” (Smart Sanctions) أي استهداف الأفراد، بدلا من معاقبة الدولة ككل، يجري تجميد أموال “القادة” والمقربين منهم ومنعهم من السفر ومنع دخول القطع العسكرية والتكنولوجيا التي تخدم الآلة الحربية فقط، مع الاستثناءات الإنسانيةومحاولة ضمان تدفق الغذاء والدواء بآليات مستقلة عن سيطرة النظام.
اي ان أثر العقوبات على القادة يتمثل في استمرار الرفاهية عبر قنوات خاصة. اما الشعوب فتتعرض الى فقر مدقع، بشكل تضخم، وفقدان للأمن الغذائي.
الموقف السياسي يتمثل في استثمار النظامللعقوبات لتعزيز التعبئة “القومية“، اما الشعبفيشعر بالعزلة عن العالم واليأس من التغيير.النظام يستغل الموارد المتبقية للأمن والدفاع، فيما يعاني الشعب انهيارا في الخدمات مثلالكهرباء، المياه، والخدمات الصحية.
النتيجة قد يضطر النظام للتفاوض في “النهاية” فقط، فيما تدفع الشعوب الثمن الأكبر من حياتهم ومستقبل أبنائهم.
ان العقوبات تكون فعالة فقط عندما تكون محددة زمنيا، واضحة الأهداف، ومرتبطة بمسار دبلوماسي حقيقي. أما العقوبات المفتوحة التي تمتد لعقود، فهي تتحول غالبا إلى أداة “للإخضاع” وليس “للإصلاح”، ويكون المواطن البسيط هو الضحية الأولى والأخيرة فيها.
باختصار ان قراري، “قرار الحرب” و”قرار العقوبات”، كلاهما يُتخذ في أروقة السياسة العليا، فيما تتحمل الشعوب العبء الأكبر.
دور المجتمع المدني بمواجهة الحرب
إن تمكين المجتمع المدني في كل دولة هو المفتاح لتحويل الشعوب من “ضحايا صامتين” للقرارات السياسية إلى “شركاء مراقبين” يملكون القدرة على كبح جماح التهور السياسي.
ينشط المجتمع المدني في مجال تشكيل فرق بحثية مستقلة لتوثيق الأثر الحقيقي للحروب أو العقوبات على حياة السكان (الصحة، التعليم، الفقر). هذا التوثيق هو الذي يُقنع المنظمات الدولية بضرورة تغيير سياساتها، ويسهم في تبسيط المعلومات بتحويل الموازنات المعقدة والاتفاقيات السياسية إلى لغة بسيطة يفهمها المواطن الاعتيادي، ليدرك كيف تؤثر هذه القرارات على “رغيف خبزه” اليومي.
ان دور مؤسسات المجتمع المدني هو تعليم الأفراد كيفية التمييز بين الخبر الحقيقي وبين “خطاب الكراهية” أو “التعبئة العسكرية” الزائفة و خلق مساحات رقمية للنقاش العقلاني بعيدا عن “غرف الصدى” المتطرفة، لتعزيز قيم الحوار بدلامن الصدام، ورفع دعاوى قضائية ضد القرارات التي تنتهك الحقوق الأساسية للسكان بحجة الضرورات السياسية أو العسكرية، و العمل مع البرلمانات لسن قوانين تفرض “الشفافية الكاملة” في صفقات السلاح، واتفاقيات القروض الدولية، والالتزامات العسكرية، و عندما تضيق المساحة في الداخل، يصبح الصوت الخارجي ضرورة.
على المجتمع المدني بناء شراكات مع منظمات دولية (مثل منظمة العفو الدولية أو مراقبة حقوق الإنسان) لنقل واقع المعاناة المحلية إلى مراكز القرار العالمي (الأمم المتحدة، البرلمانات الدولية)، و التواصل مع المجتمع المدني في “الدولة الخصم” لإظهار أن الشعوب لا تريد الحرب، مما يضعف الحجج السياسية للتصعيد لدى الطرفين.
يتوجب كسر احتكار الدولة للحقيقة والبيانات، وإخضاع قرار الحرب والعقوبات لرقابة القضاء، و منع التلاعب بعواطف الجمهور وشحنهم للعنف، و التواصل المؤتمرات الدولية والشبكات الحقوقية وخلق ضغط دولي على صناع القرار المحليين.
ومهمة المجتمع المدني هي أن يظل “البوصلة” التي تذكر الجميع بهذا الهدف الأسمى، مهما كانت طبول الحرب عالية أو تعقيدات السياسة شائكة. يتوجب على المجتمع المدني توفيربالحماية الشاملة للمدنيين: حماية المدنيين من الصراع، وحماية المدنيين في أثناء النزاع،وحماية المدنيين في أعقاب النزاع المدمر الذي غالبا ما يكون لمدة طويلة.
وفي ظل التغيرات الجيوسياسية المتسارعة والصراعات المتزايدة في عديد المناطق حول العالم، أصبح استغلال القوة المفرطة ظاهرة مقلقة تهدد الأمن والسلم الدوليين. استخدامها قد يؤدي إلى انتهاكات خطيرة للقوانين الدولية المتعلقة بحماية المدنيين وحقوق الإنسان. ويشير مصطلح “القوة المفرطة” إلى الاستخدام غير المتناسب للقوة من قبل الدول أو الفاعلين غير الحكوميين، سواء في النزاعات المسلحة أو في التعامل مع التظاهرات والاحتجاجات المدنية. وقد شهد العالم العديد من الأمثلة التي تجسد هذه الظاهرة، مثل الاستخدام المفرط للقوة من قبل بعض الحكومات في مواجهة الاحتجاجات السلمية، أو التصعيد العسكري غير المبرر في بعض النزاعات.
وفي مواجهة هذه التحديات، برز دور المجتمع الدولي كفاعل رئيس في محاولة الحد من هذه الانتهاكات عبر وضع أطر قانونية واتفاقيات دولية تهدف إلى ضبط استعمال القوة وتقييدها ضمن معايير تضمن حماية حقوق الإنسان وسيادة القانون، وعلى المجتمع المدني المحلي ان يفعل ذلك ويتواءم معه.
