خريطة طريق جديدة للحد من تلوث المجاري المائية بالأدوية

خريطة طريق جديدة للحد من تلوث المجاري المائية بالأدوية

متابعة – التآخي

توفر الأدوية المستعملة في أنظمة الرعاية الصحية فوائد صحية واقتصادية هائلة للمجتمعات، إلا أنها باتت تُكتشف على نطاق واسع كملوثات في المجاري المائية حول العالم.

وتكشف ورقة بحثية جديدة نُشرت في دورية «لانست بلانيتاري هيلث»، وشارك في إعدادها خبراء من قطاعات الأدوية والرعاية الصحية والبيئة، عن خريطة طريق شاملة لدعم استراتيجيات وطنية مستقبلية تهدف إلى تقليل المخاطر الصحية والبيئية الناجمة عن التلوث الدوائي.

ومع الارتفاع المتزايد في إنتاج الأدوية واستعمالها عالميا، تتصاعد الدعوات الدولية لاتخاذ إجراءات عاجلة للحد من المخاطر المرتبطة بهذا النوع من التلوث.

وتوضح الدراسة أن الطرق الحالية لتوريد الأدوية واستغلالها والتخلص منها غير مستدامة، وبحاجة إلى تغيير جذري لحماية مستقبل أنظمة الرعاية الصحية وصناعة الدواء على المدى الطويل، مشيرة إلى أن التقدم المتحقق حتى الآن ما يزال محدودا للغاية.

وثمت استراتيجيات وطنية للتخفيف من التلوث الدوائي، اذ أجرى بحث من قبل فريق من جامعة إكستر البريطانية، بمشاركة تحالف يضم 48 خبيرا من قطاعات الصناعة والسياسات العامة والأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني.

وطور الباحثون فيه، نهجا قائما على التفكير المنظومي لمساعدة الدول مرتفعة الدخل على وضع استراتيجيات وطنية للتخفيف من التلوث الدوائي، بما يسهم في إحداث تحول شامل في كيفية إنتاج الأدوية واستعمالها والتخلص منها في داخل المجتمع.

واعتمدت الدراسة على حالة المملكة المتحدة لتحديد 37 نقطة تدخل يمكن أن تشكل أساسا لاستراتيجية وطنية مستقبلية للحد من التلوث الدوائي.

وتقول الباحثة الرئيسة كيلي ثورنبير إن الأدوية متجذرة بعمق في أنظمة الرعاية الصحية والمجتمع الحديث، مشددة على أن التغيير الواقعي لا يمكن أن يعتمد على الحلول التقنية السريعة وحدها، بل يتطلب الجمع بين هذه الحلول ومعالجة الدوافع الاجتماعية العميقة للمشكلة لتحقيق تحول طويل الأمد ومستدام

ويُعد التلوث الدوائي مشكلة بيئية متنامية عالميا وفي المملكة المتحدة على وجه الخصوص، اذ جرى رصد ملوثات دوائية متنوعة في الأنهار الإنجليزية، بما في ذلك تلك الواقعة في داخل المتنزهات الوطنية التي تُعد بؤرا للتنوع البيولوجي.

فعلى سبيل المثال، ثبت أن هرمونات الإستروجين الناتجة عن حبوب منع الحمل تؤدي إلى تأنيث ذكور الأسماك، ما يؤثر في قدرتها على التكاثر، كما تتسبب مضادات الاكتئاب في تغيير سلوك الأسماك وجعلها أكثر عرضة للافتراس.

ومع ارتفاع متوسط العمر، يزداد اعتماد البشر على الأدوية لإدارة أمراض متعددة، اذ يمر ما يصل إلى 90% من هذه العقاقير عبر أجسامنا إلى شبكات الصرف الصحي.

كما يجري التخلص من الأدوية غير المستعملةفي كثير من الأحيان عبر الأحواض أو المراحيض بدلا من إعادتها إلى الصيدليات للتخلص الآمن منها، إذ أظهرت دراسة بريطانية أن 27% فقط من السكان يلتزمون بإعادة الأدوية على وفق الإرشادات الرسمية.

وتختلف محطات معالجة مياه الصرف في قدرتها على إزالة الملوثات الدوائية، ما يؤدي إلى تصريف كثير من العقاقير إلى الأنهار، أو بقائها في الحمأة الحيوية التي تستعمل لاحقا كسماد زراعي، وهو ما يفاقم تلوث المياه العذبة والمصبات البحرية والتربة والمحاصيل والحياة البرية.

ويُعد نقص البيانات الدقيقة أحد أبرز العوائق أمام مواجهة المشكلة، إذ لا يجري رصد الأدوية بشكل منتظم ضمن لوائح البيئة المائية في المملكة المتحدة، ولا تُراقب عادة ضمن معايير مياه الشرب أو مياه الاستحمام.

ويشدد البروفيسور تشارلز تايلر، الباحث المشارك من جامعة إكستر، على أن التلوث الدوائي ظل مهملا لمدة طويلة، مشيرا إلى أن هذه الدراسة تضع إطارا ضروريا لتحفيز العمل وحماية الحياة البرية، ومؤكدا أن المملكة المتحدة تمتلك فرصة لتكون رائدة عالميا في تعزيز أنظمة دوائية أكثر استدامة.

وفي خطوة لدعم التحرك العملي، أسس الباحثون مركزا وطنيا جديدا مسجلا كجمعية خيرية تحت اسم «مركز التلوث الدوائي»، يهدف إلى ربط الجهات البحثية والسياسية والتنفيذية لتسريع تطبيق الحلول الواقعية بوساطة نهج منظومي متكامل.

ويعد تلوث مجاري الصرف الصحي كارثة بيئية وصحية ناتجة بشكل رئيس عن قصور البنية التحتية، تهالك محطات المعالجة، أو التصريف المباشر للمخلفات غير المعالجة في المسطحات المائية؛ يؤدي ذلك إلى انتشار أمراض خطيرة مثل الكوليرا والتهاب الكبد، وغيرها، فضلا عن تدمير النظم البيئية البحرية والنهرية وتلوث مصادر مياه الشرب، مما يستوجب تدخلات سياسية وتقنية عاجلة.

قد يعجبك ايضا