سينما الواقعية الجديدة صدق أم فقر إنتاج؟

مصطفى حسين الفيلي

في السنوات الأخيرة، صارت “الواقعية الجديدة” بطاقة مرور سهلة إلى المهرجانات، وعنوانًا جاهزًا يسبق أي فيلم بميزانية متواضعة. كاميرا محمولة، إضاءة طبيعية، ممثلون غير محترفين، وحكاية يومية عن الهامش… ثم يُقال لنا: هذا هو الصدق.

لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح: هل نحن أمام خيار جمالي واعٍ، أم أمام تبرير أنيق لفقر الإنتاج؟

الواقعية، في أصلها، لم تكن يومًا هروبًا من الإمكانيات، بل موقفًا فنّيًا. الواقعية الإيطالية الجديدة بعد الحرب العالمية الثانية لم تُولد من العوز وحده، بل من رغبة عميقة في إعادة الإنسان إلى مركز الكادر. دي سيكا وروسيلليني لم يكتفوا بتصوير الشارع، بل أعادوا تعريف العلاقة بين الكاميرا والواقع، بين الأداء والحقيقة، وبين السينما والحياة.

المشكلة اليوم أن كثيرًا من الأفلام ترفع شعار “الواقعية” بوصفه إعفاءً من الأسئلة الصعبة: لماذا هذا الإيقاع بطيء؟ لأن الفيلم واقعي. لماذا الصورة مهزوزة؟ لأنها صادقة. لماذا الحوار ضعيف؟ لأن الشخصيات من الشارع.

وهنا يبدأ الخلط الخطير بين البساطة والسطحية.

السينما الواقعية الحقيقية لا تعني غياب الجمال، بل تعني جمالًا من نوع آخر. جمال التكوين غير المتكلّف، جمال الصمت المدروس، جمال اللقطة التي تعرف متى تقترب ومتى تبتعد. أما حين تتحول الواقعية إلى مجرد تسجيل خام، بلا رؤية إخراجية، فنحن لا نشاهد فيلمًا بل تقريرًا مطوّلًا.

الأخطر أن بعض المخرجين صاروا يستخدمون الواقعية كـ”درع نقدي”: أي اعتراض يُقابل بجملة جاهزة: “هذا هو الواقع”. لكن الواقع نفسه لا يُقدَّم بلا اختيار. الكاميرا حين تُوضع في مكان دون آخر، وحين تُقص اللقطة هنا لا هناك، فذلك قرار فني، لا حياد فيه.

فقر الإنتاج ليس عيبًا بحد ذاته. تاريخ السينما مليء بأفلام عظيمة صُنعت بالقليل. العيب هو أن يتحول الفقر إلى هوية فنية قسرية، وأن يُسوّق على أنه صدق. الصدق لا يأتي من قلة المال، بل من وضوح الرؤية. فيلم بميزانية صغيرة يمكن أن يكون كاذبًا، وفيلم ضخم يمكن أن يكون صادقًا حدّ القسوة.

الواقعية الجديدة، إن لم تُدعَم بوعي بصري وموقف فكري، تتحول إلى موضة مهرجانات، تُشبه نفسها، وتُعيد إنتاج البؤس كصورة نمطية قابلة للتصدير. عندها لا يعود السؤال: “هل الفيلم صادق؟” بل: “لمن هذا الصدق؟ ولأي عين صُمم؟”

السينما ليست مطالبة بأن تكون جميلة دائمًا، لكنها مطالبة بأن تكون ضرورية. والواقعية، حين تكون اختيارًا واعيًا، قادرة على أن تهزّ المتفرج أكثر من أضخم المؤثرات. أما حين تكون ذريعة، فهي مجرد فقر إنتاج بملصق فني.

قد يعجبك ايضا