ماهين شيخاني
أعلن الرئيس مسعود بارزاني عن عزمه إجراء استفتاء شعبي حول استقلال إقليم كردستان عام 2014، أو البقاء ضمن الدولة العراقية، لكن دخول تنظيم الدولة (داعش) للموصل وشنكال ذاك الحين , حال دون ذلك ,وقد شهد إقليم كردستان العراق العديد من الحركات التي سعت إلى تأسيس دولة كردية أو حكم ذاتي كردي، ولعل أولها في العصر الحديث كانت حركة الشيخ (محمود الحفيد) عام 1918 ضد الإنكليز، وانتفاضة البارزانيين بقيادة (عبد السلام البارزاني) عام 1932. وكانت الحركة الأبرز هي تلك التي بدأها (مصطفى البارزاني) عام 1943، وأعاد إشعالها عام 1961، وتُوّجت في النهاية بعقد اتفاق (الحكم الذاتي للكورد) بين الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة مصطفى البارزاني والحكومة العراقية في 11 آذار 1970.
إلا أنّ الخلافات بين الكورد وحكومة بغداد لم تتوقف، وخصوصاً بعد تعديل السلطات العراقية لاتفاق الحكم الذاتي وإضافة حق الرئيس العراقي حل المجلس المحلي لمنطقة كردستان كما لم تتوقف معها الخلافات بين طهران وبغداد نتيجة لدعم شاه إيران ثورة الكورد المسلحة.
وأدّت المباحثات بين الحكومتين العراقية والإيرانية آنذاك حول الموضوع إلى توقيع “اتفاقية الجزائر” المشئومة في 6/3/1975، والتي وقّعها عن الحكومة العراقية نائب الرئيس آنذاك صدام حسين، وعن الحكومة الإيرانية شاه إيران محمد رضا بهلوي، ونصت على تخلي العراق عن نصف شط العرب وأراضٍ أخرى لصالح إيران مقابل وقف الدعم الإيراني للكورد.
ومنذ سقوط صدام وحتى الآن تناوبت عدة حكومات لكنها كانت ومازالت تتنصل من الحقوق والالتزامات اتجاه إقليم كوردستان , بل كانت أحيانا أشد شراسة رغم الاتفاقيات الموقعة بين الجانبين وترحيل القرارات الملزمة وحتى قطع الرواتب والمخصصات , وكل هذه الضغوطات كانت بأوامر من إيران وتركيا ,حيث تخشى إيران من منح أي حقوق للكورد سيشكّل لتأسيس دولةٍ كردية مستقبلا في العراق مصدر رغبة الاستقلال لدى كورد إيران الأكثر عدداً من كورد العراق، أو على الأقلّ أن يشجع الكورد الإيرانيين لمطالبة طهران بالمزيد من الحقوق. و كذلك في تركيا الأكثر عدداً من الكورد في العراق وإيران، ومن شأن حصول كورد العراق على الاستقلال وتأسيس أول دولة كوردية أن يجعل كورد تركيا أكثر إصرارا على المطالبة بوضع خاص لهم في مناطق تواجدهم في تركيا.
وبعد فشل الجانبين العراقي والكوردي خلال السنوات الماضية من التوصل إلى تفاهمات وحل العقد والمشاكل بينهما. وفي عام 2017 أعاد الرئيس مسعود بارزاني الحديث وبجدية أكثر عن موضوع الاستفتاء
، واستند في نظر المحللين على بعض الأسس منها : الحق في تقرير المصير، تاريخ من القمع، شمل إبادة جماعية على يد حكومات عراقية متعاقبة، و واقع أنه على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية أقام الكورد منطقةً مستقرة وآمنة وديمقراطية نسبياً ومتسامحة لا تطرح تهديداً على الدول المجاورة.
وبالفعل، خلال السنوات القليلة الماضية، كان «إقليم كردستان العراق» واحةً من الاستقرار وسط أعمال العنف، حيث واجه العراق وسوريا ودولاً أخرى في المنطقة حروباً وإرهاباً. كما شكّل «إقليم كردستان» ملاذاً لنحو مليوني لاجئ – غالبيتهم من العرب وليس من الكورد – ومن جهتهم أثبت المقاتلون الكورد أنهم شرسون في المعركة ضد تنظيم «الدولة الإسلامية».
وأعلن مسعود بارزاني رسمياً عن توقيت الاستفتاء في 25/9/2017 تاريخ رمزي بثورة أيلول التي اعلنها والده
(مصطفى البارزاني) عام 1961 ضد النظام العراقي
آنذاك وكانت المناطق الكردية قد شهدت استفتاء سابقاً في كانون الثاني/يناير 2005، وتجاوزت نسبة التصويت للاستقلال فيه 98.9%، كما قامت جامعة دهوك برعاية منظمة أمريكية بإجراء استطلاع للرأي شبيه بالاستفتاء نهاية عام 2016 وكانت نسبة الراغبين بالاستقلال 84%.نتيجة الاستفتاء ستكون لصالح الاستقلال والانفصال عن العراق
مما لا شك فيه أن تأثير الاستقلال كبيراً على الكورد عموماً، ويبعث الأمل من جديد بتحقيق حلم لازمهم منذ مئات السنين، فهي المرة الأولى التي سيتم الإعلان فيها عن (دولة كردستان).
وكانت نتائج الاستفتاء ذات تأثير كبير على الكورد عموماً،. ويشعر كورد تركيا وإيران وسوريا أن الاستفتاء كان فرصة لاستعراض الحلم الكوردي، وأنّه استطاع أن يضع هذا الحلم على خريطة المنطقة والعالم مرة أخرى، وهو ما يكفي للاحتفال به.
حاولت إيران جاهدة لتوظيف علاقاتها الجيدة مع بعض الأحزاب الكوردية المناهضة لرئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني ، لمنع إجراء الاستفتاء، ورغم الخلاف بينها وبين وتركيا حول عدد من الملفات، فإن الطموح الكوردي للانفصال دائمًا ما يجمعهما، لخشيتهما من انعكاساته المستقبلية على أمن واستقرار البلدين.
فالعلاقات السياسية والاقتصادية الوثيقة بين الحكومة التركية و اقليم كوردستان، لم تمنع أنقرة من التعبير عن رفضها للاستفتاء المزمع إجراؤه في كردستان العراق، وفي هذا الإطار وصف رئيس الوزراء التركي بن علي يلدرم خطة كورد العراق لإجراء استفتاء على الاستقلال بأنها “غير مسئولة”.
اما الولايات المتَّحدة وجدت أنها وقعت في حرج سياسي مع بغداد وأربيل اللتين تجمعهما علاقات طيبة مع واشنطن، وللخروج من هذا الحرج والحفاظ على علاقات متوازنة مع حليفيها (الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان)، كان لا بد من مخاطبتهما بلغة دبلوماسية ترضيهما معًا، ففي الحادي عشر من أغسطس طلب وزير الخارجية الأمريكيّ ريكس تيلرسون من رئيس حكومة اقليم كردستان تأجيل الاستفتاء، ولم يطلب منها إلغاءه نهائيًّا، بل اعتبر أن الاستفتاء يمثل أولية بعد هزيمة تنظيم داعش وطرده من الأراضي العراقية. أما وزير الدفاع الأمريكيّ جيمس ماتيس فقد قام بزيارة مفاجئة لبغداد في الثاني والعشرين من أغسطس الجاري، ورغم أن الغاية من الزيارة هي تأكيد دعم الولايات المتَّحدة لحرب العراق ضدّ داعش وإعادة النازحين، فإنه أعلن خلال لقائه رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي أن بلاده حريصة على أمن العراق وترفض أي إجراء يهدف إلى تقسيمه وزعزعة استقراره. وبعد محادثاته مع العبادي سافر ماتيس إلى أربيل والتقى الرئيس مسعود بارزاني وشكره على قيادته القوية لقوات البيشمركة التي أسهمت في دحر تنظيم داعش، ورغم أنه لم يتطرق إلى موضوع الاستفتاء فإنه حثّ بارزاني على “الانخراط في حوار دائم” مع العبادي وجعل التركيز منصبًّا على إلحاق الهزيمة بداعش.
قال رئيس الإقليم مسعود بارزاني،إن الاستفتاء الخاص بانفصال الإقليم عن العراق “ليس ورقة ضغط، وإنما هو الطريق للاستقلال”، مشددا على إجراءه في موعده يوم 25 سبتمبر/أيلول
ربما يتأخر الاعتراف الدولي بالحلم الكردي ويرتبط هذا التأخر غالباً بمحاولات إرضاء بغداد وطهران وأنقرة.
وبالمقابل فإنّ من المحتمل أن تقوم عدد من الدول بالاعتراف بالدولة الجديدة، لأسبابها الخاصة أو نكاية بدول الجوار، وأبرز الدول المرشحة للاعتراف السريع هي: بعض دول الخليج وفرنسا.
ومن غير المتوقع أن يتسبب استقلال إقليم كردستان بأزمات مع الدول الكبرى، فإقليم كردستان لديه علاقات جيدة مع معظم الدول الكبرى (الولايات المتحدة، روسيا، بريطانيا، فرنسا).
في النهاية سيبقى الاستفتاء الذي أحرزه الشعب الكوردي بقيادة الرئيس مسعود البارزاني في الخامس و العشرون من شهر ايلول..
بصمة لتاريخ شعب قرر مصيره حرا مستقلا في دولته كورد ستان .