الشعوب أقوى من العروش

ماهين شيخاني

في الماضي، كان تغيير الملوك والرؤساء لعبة تجري في الظلّ. قرارات تُحاك في العواصم الاستعمارية، وتُمرَّر كما تمرّ الضرائب والأوامر، بينما الشعوب مغيّبة، لا رأي لها ولا صوت. التاريخ السياسي في منطقتنا، كما في أماكن أخرى من العالم، مليء بالانقلابات المدبّرة في الغرف المغلقة، حيث يُصنع مصير أمة بأكملها عبر توقيع على ورقة أو صفقة سرية بين سفير وضابط.

لكن الزمن تغيّر. لم يعد ممكناً أن يُنصَّب عميل أو مجرم على سدة الحكم بسهولة. المعلومة لم تعد حكراً على قلة، والوعي لم يعد سلعة نادرة. التكنولوجيا كسرت جدار التعتيم، فكل تحالف مشبوه، وكل جريمة مخفية، وكل صفقة ملوثة بالفساد، تظهر اليوم إلى العلن في لحظة. الجماهير لم تعد تتلقى الرواية الرسمية دون سؤال، بل باتت تفتّش، تحاكم، وتُدين قبل أن تنطق المحاكم.

لم يعد أحد قادراً على فرض الوصاية على العقول. الشعوب تعرف من ينهبها ومن يخونها، تعرف من يتاجر بدماء أبنائها، ومن يبيع أوطانها على طاولة المصالح. حتى شعوب الدول الاستعمارية نفسها بدأت ترفع صوتها في وجه حكوماتها، رافضة الحروب غير العادلة وسياسات النفاق. ما عاد الرفض حكراً على شوارع دمشق وبغداد والقاهرة، وأنقرة وطهران، بل صار يُسمع أيضاً في باريس ولندن وواشنطن. كأن الإنسانية بأسرها تتفق لأول مرة على جملة واحدة: (زمن الكذب انتهى).

فلنكن أوفياء لتلك الدماء التي سقطت في الساحات، ولصرخات الجياع التي لا تجد خبزاً ولا دواء، ولأحلام أطفالنا التي ترفض أن تُشترى أو تُباع. اليوم، لا سلطان يعلو فوق إرادة الشعوب، ولا شرعية يمكن أن تُكتب خارج دفاتر الناس، ولا قوة تستطيع أن توقف سيل الوعي حين ينفجر.

لن نقبل بالمجرمين حكّاماً، ولا بالفاسدين أوصياء على مستقبلنا. التاريخ لن يُكتب مجدداً بنفس الحبر القديم. نحن أمام لحظة فارقة: إما أن نصنع مستقبلنا بأيدينا، أو نبقى أسرى لماضٍ لا يصلح إلا أن يُدفن في مقابر النسيان.

الشعوب أقوى من العروش، والحرية أبقى من السلاسل، والكرامة أسمى من كل تاج.

.

قد يعجبك ايضا