في ذكرى استفتاء كوردستان… حين نطق الحلم بلغة الشعب

ماجد سوره ميري

في مثل هذا اليوم من عام 2017، لم يكن شعب كوردستان يسير إلى صناديق الاقتراع فحسب، بل كان يسير إلى قلب التاريخ، بقلب مفعم بالأمل، وعين ترنو إلى الغد؛ لم تكن ورقة التصويت مجرد مستند يرمى في صندوق، بل كانت صرخة مكتوبة، ونداء صامتا: نريد أن نكون.

في الخامس والعشرين من أيلول، كتب الكوردستانيون حلمهم بالحبر، بعدما كتبوه طويلا بالدم. خرجوا من زاخو إلى خانقين، رجالا ونساء، شيوخا وشبابا، كأنهم في عرس وطني لا يشبه الأعراس، بل يشبه الخروج من العتمة إلى الضوء، ومن الحلم إلى بداية الحقيقة.

لماذا الاستفتاء؟
لأن الكوردي لم يولد لكي يهمّش، ولم يخلق لكي يكون تابعا في أرضه، غريبا في وطنه؛ لأنه، ببساطة، أراد ما أرادته كل شعوب الأرض: أن يقرر مصيره، أن يصوغ مستقبله، أن يكون له عنوان على خريطة العالم لا يمر عبر بوابات الآخرين.
أراد أن يثبت للعالم أنّ الصمت لم يكن ضعفا، وأن الانتظار لم يكن استسلاما.

في ذلك اليوم، قال أكثر من 93% من المشاركين: نعم للاستقلال. نعم لحياة لا تدار من وراء الجدران. نعم لوطن لا يختزل في حكم مركزي متقلب، ولا في مزاج سياسي ضيق.
لكن كما كل الأحلام الكبيرة في منطقتنا، اصطدم الحلم الكوردستاني بجدار الواقع؛ جدار المصالح، وجفاء الجيران، وريبة الكبار؛ لم تكتمل الصورة، ولم يسمح للمولود الجديد أن يصرخ صرخته الأولى؛ خذل الحلم عند عتبة الولادة.

ومع ذلك… فإن من يحلم لا يموت، ومن يصوّت لمستقبله لا يعود عبدا لماضيه.
اليوم، ونحن نحيي ذكرى الاستفتاء، تتزاحم الأسئلة في الذاكرة:
ماذا لو صمدنا أكثر؟ ماذا لو حمينا حلمنا بشيء من صبر الشعوب التي سبقتنا؟
ها هي فلسطين، رغم الألم، تمضي بثبات نحو اعتراف دولي، وها هي بريطانيا – الدولة التي كانت أول من قسّم – تعود اليوم لتعترف بفلسطين دولة مستقلة، بعد سنوات من الجمر والرماد.
فماذا لو أن كوردستان حظيت بفرصة الصمود لشهرين فقط بعد 16 تشرين الأول؟

كم كانت المعادلة لتختلف؟ وكم كان المشهد ليتغير؟
ان كوردستان، التي كان لها من الأصدقاء كثير، تظل بحاجة إلى صديق لا يخذلها: نفسها.
وإذا لم نرَ أنفسنا، فكيف ننتظر من العالم أن يرانا؟
ليس الاستفتاء نهاية طريق، بل بدايته؛ وليس مناسبة نعلّق عليها صورا من الماضي، بل محطة نعيد فيها تقييم المسار، ونشدّ فيها العزم على ألا يتكرر التاريخ في دورته الموجعة.

ربما خسرنا جولة، لكننا لم نخسر المعنى.. وربما تراجع الحلم، لكنه لم يُهزم.. فالحلم الذي يؤمن به الملايين، لا يطفئه بيان، ولا تلغيه صفقة.
وإن كانت كرامة شعب كوردستان لن تقوم إلا بالتضحية، فلنكن كما كنا في كل معركة: على قدر التاريخ، وعلى قدر الحلم.

قد يعجبك ايضا