صحيفة المتلمس

د. صباح ايليا القس

الشاعر المتلمس اشتهر بهذا اللقب وكثيرون لا يعرفون اسمه الحقيقي إلا من بحث في بطون الكتب لان اغلب المصادر لا تذكر اسمه معتمدين على اللقب الذي هو اكثر شيوعا وانتشارا حتى عند الذين كتبوا عن التراث العربي في العصر الجاهلي .

اما اسمه فهو جرير بن عبد المسيح وربما يكون اسمه الدال على مسيحيته سببا في التغييب لا سيما عند جامعي الشعر والادب عند ابتداء التدوين .. اما طرفة بن العبد فهو ابن اخته .. وطرفة شاعر شاب مندفع بتطرف  عنيد .

اما خبر الصحيفة فهي ان عمرو بن هند ملك الحيرة قائد دولة المناذرة والحيرة في العراق وموقعها قرب النجف كان له مجلس يتوافد عليه الشعراء لكي يمدحوه ويأخذوا جوائزهم ويرحلون الى مقام آخر , هكذا كان حال الشعراء يتوافدون على رؤساء القوم او الامراء او الملوك لغرض المديح اعجابا احيانا وتملقا في احيان اخرى .

المتلمس سبق له أن هجا الملك عمرو بن هند بل وانتقص من امه هند والهجاء إظهار العيوب سواء كانت موجودة فعلا او يخترعها الشاعر لمزيد من الاذى وهكذا كان هجاؤه في ام الملك الذي أضمرها له حتى لو اعتذر اذ كانت له اعتذاريات وتوسلات كثيرة بعد أن هدده الملك بالقتل لكن الاعتذار جعل الملك يسامحه على ما فات من هفوات لذلك عاد المتلمس الى ايام الصفاء يرافقه ابن اخته طرفة بن العبد واذ اجتمع المجلس قام الشاعران ومدحا الملك مدحا يليق بالملوك وفي سابقة في الكرم قال الملك سأكتب رسالة الى والي البحرين لكي يدفع لكما الهدايا التي تستحقونها وكتب الكاتب رسالة لكل من الشاعرين وانطلقا في الطريق الى البحرين .. والحقيقة ان الملك لم يكتب لهما ما فيه الخير بل كتب ما فيه الشر اذ أوصى الوالي بقتلهما عند وصولهما ..

شك المتلمس بالامر ولذلك فتح المتلمس صحيفته واعطاها لغلام يقرأ فقرأها له وفيها ( باسمك اللهم من عمرو بن هند الى المكعبر والي البحرين اما بعد اذا جاءك كتابي هذا من المتلمس فاقطع يديه ورجليه وادفنه حيًّا ) فلما عرف مضمونها فرّ هاربا الى الغساسنة في الشام .

واما طرفة فلم يصدق ما فعله المتلمس ولم يوافق على فتح ختم صحيفته . وعندما وصل الى البحرين سلّم الصحيفة الى واليها وظل منتظرا ان يدفع له هديته فقال له وأين خالك المتلمس فقال له , قرأ صحيفته ووجد فيها ان الملك يوصي بقتله فهرب الى الشام وأنا لا أظن أن الملك يقوم بالفعل نفسه معي فليس بيني وبينه من سبب لذلك ..

فقال المكعبر قد خاب ظنك فيما سعيت له وقد حان وقت تنفيذ طلب الملك الذي أوصى بقتلك .. ثم نادى الوالي على الحراس لكي يقوموا بما طلبه الملك .

وطرفة هو أصغر شاعر من شعراء المعلقات ويسمى في بعض الكتب ( الشاب القتيل ) اذ لا ذنب له إلا لان المتلمس خاله .. ولو بقي لاعطى الكثير لان موهبته الشعرية ما يزال فيها عنف الشباب وطموح المستقبل .

قد يعجبك ايضا