الضوء الذي لا يطلب التصفيق

بقلم: نوري جاسم

في زمنٍ تتسارع فيه التحوّلات، ويذوب فيه الخط الفاصل بين العادي والاستثنائي، تبقى فكرة (التميّز) عصيّة على التعريف، لكنها قادرة على إثارة الدهشة أينما حلّت. ليس أن تكون مميزًا بمعنى أن ترفع صوتك أعلى من الجميع، ولا أن تسبقهم بخطوة، بل أن تمشي بخطى ثابتة تشبه إيقاعك، وأن تكتب حكايتك بأسلوبك، لا كما يُملى عليك.

أن تكون مميزًا، يعني أن ترفض القوالب الجاهزة، أن ترى الجمال في التفاصيل التي يغفلها الآخرون، أن تحاور العالم بلغة قلبك حتى وإن لم يفهمك أحد. التميز ليس شهرةً ولا صخبًا، بل هو هدوءُ من يعرف موقعه في هذا العالم دون أن يزاحم الآخرين.

هو شغف، وصدق، واستمرار، هو أن تزرع في أرضك ولو كانت قاحلة، وأن ترويها بإيمانك ولو شح المطر. المميز لا يبحث عن الضوء، بل يحمله معه، يضيء الأماكن المعتمة دون أن يدّعي البطولة. هو الذي يسقط ويقوم، يخسر ويراهن من جديد، لا لأنه لا يخاف، بل لأنه يؤمن أن الخوف ذاته يمكن أن يكون دافعًا لا قيدًا.

في مجتمعاتنا التي أرهقها التكرار، وأعياها الصمت، يصبح التميز فعل مقاومة، مقاومة للسطحي، للعابر، للمزيف. أن تكون مميزًا اليوم، هو أن تحافظ على نقائك، على حدسك، على فضولك الطفولي وسط عالم يتعامل مع الحياة كصفقة، لا كرحلة. وفي النهاية، التميز لا يُقاس بعدد التصفيقات، بل بأثرٍ لا يُمحى، بحضورٍ لا يحتاج إلى إعلان، بفكرة تبقى حية حتى بعد أن يغيب صاحبها..

اللهم صل على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ..

قد يعجبك ايضا