نجاح هيفو
في صباح الخامس والعشرين من أيلول عام 2017، شهدت كوردستان حدثًا سيظل محفورًا في ذاكرة الأمة الكوردية كأحد أعظم محطات نضالها. ذلك اليوم لم يكن مجرد استفتاء سياسي أو خطوة عابرة، بل كان ولادة جديدة لإرادة أمةٍ طالما عانت من محاولات الطمس والإنكار. إنه اليوم الذي قال فيه شعب كوردستان للعالم بأسره: “نحن هنا، نقرر مصيرنا، ونكتب مستقبلنا بأيدينا”.
بالنسبة للكورد، لم يكن الاستفتاء إجراءً تقنيًا أو قانونيًا وحسب، بل كان بمثابة وثيقة شرعية تاريخية، “ورقة طابو” تثبت حق الأمة في أرضها وتقرير مصيرها. هذه الخطوة لم تأتِ كرد فعل عاطفي أو نزوة سياسية، بل كانت تتويجًا لعقود طويلة من التضحيات، وجاءت تعبيرًا صادقًا عن تطلعات الملايين الذين حلموا بالحرية والكرامة.
لقد أثبت الاستفتاء أن إرادة الشعوب لا يمكن أن تُلغى بقرارات إدارية أو إملاءات إقليمية ودولية. فلا قانون ولا قوة تستطيع أن تمحو حقيقة أن أكثر من 92% من أبناء كوردستان صوّتوا بنعم من أجل الاستقلال.
هذه النتيجة كانت بمثابة إعلان مدوٍ بأن الأمة الكوردية ترفض الانحناء، وتتمسك بحقها الطبيعي في أن تكون صاحبة قرار وسيادة.
لا يمكن الحديث عن هذا الحدث دون التوقف عند دور الرئيس مسعود بارزاني، الذي قاد شعبه بشجاعة وإصرار نحو هذا المنعطف التاريخي. لقد جسّد بارزاني بإصراره رمز القيادة الحكيمة التي تضع ثقة الشعب فوق كل الحسابات. فرغم الضغوط والتهديدات، آثر أن يُصغي لصوت الأمة على أن يخضع لإملاءات الخارج. وهكذا، ارتبط الاستفتاء بشخصيته كزعيم تاريخي اختار أن يواجه العاصفة بدلاً من الانحناء لها.
رغم حجم العراقيل والمعوقات التي وُضعت أمام هذا المشروع الوطني، سواء على الصعيد الداخلي أو الإقليمي والدولي، ظل الاستفتاء علامة فارقة لا يمكن تجاوزها. لقد حاول الكثيرون التشكيك في جدواه أو عرقلته بوسائل شتى، لكن تلك التحديات لم تفلح في إضعاف عزيمة الكورد أو إطفاء جذوة الأمل. على العكس، تحوّل الاستفتاء إلى رمز لصمود الأمة، وإلى رسالة مفادها أن الطريق نحو الحرية لا يُرسم بالسهولة، بل يحتاج إلى صبر وإصرار وتضحيات.
إن الأمة الكوردية أثبتت للعالم أنها قادرة على مواجهة التحديات الكبرى، وأن أي معوقات مهما عظمت لا تستطيع أن تمحو حلمها المتجذر في وجدانها. فالاستفتاء لم يكن مغامرة سياسية، بل كان قرارًا استراتيجيًا يعكس نهجًا راسخًا في الدفاع عن حق تقرير المصير.
أحد أبرز مشاهد الاستفتاء كان وحدة المكونات الكوردستانية. في ذلك الصباح التاريخي، ارتفعت أصوات الأذان من المساجد وقرعت أجراس الكنائس في تزامنٍ نادر، وكأن الأرض كلها تُعلن ولادة عهد جديد. ذلك المشهد لم يكن رمزيًا فحسب، بل كان تجسيدًا للتعايش العميق بين مكونات كوردستان المختلفة، وللتلاحم الشعبي الذي منح الاستفتاء شرعيته الكبرى.
لقد بكى الكثيرون فرحًا وهم يرون صناديق الاقتراع تتحول إلى صناديق أمل. كانت دموع الأمهات والشباب، وابتسامات الأطفال، هي الشهادة الحقيقية على أن هذه الأرض تستحق الحرية، وأن الأمة الكوردية قادرة على رسم مستقبلها بيدها.
الاستفتاء لم يكن لحظة وانتهت، بل هو مشروع وطني مفتوح على المستقبل. إنه عهد يجب أن يبقى حيًا في ذاكرة الأجيال، ورمزًا يُلهم الشباب الكوردي لمواصلة النضال من أجل الحرية. ورغم أن الظروف الإقليمية والدولية قد تؤخر تحقيق الحلم، إلا أن الاستفتاء سيبقى وثيقة لا تسقط بالتقادم، ورصيدًا سياسيًا يمكن استعادته في اللحظة المناسبة.
اليوم، بعد ثماني سنوات على هذا اليوم التاريخي، ما زال صوت 25 أيلول يتردد في قلوب الكورد: نحن أصحاب حق، ولا قوة قادرة على محو هذا الحق. صحيح أن الطريق طويل وصعب، لكن الأمم العظيمة لا تُقاس بمدى ما تحققه في يومٍ أو عام، بل بقدرتها على الاستمرار في الدفاع عن حقوقها مهما طال الزمن.
إن استفتاء كوردستان عام 2017 ليس مجرد ذكرى، بل هو عهد أمة لن ينكسر. إنه إعلان بأن الكوردستانيين اختاروا الحرية ولن يتراجعوا عنها، مهما كانت التحديات. لقد كان الخامس والعشرون من أيلول بوصلة أمة، يحدد اتجاهها نحو مستقبل لا يعرف الانحناء.
وسيأتي اليوم الذي يتحول فيه هذا العهد إلى واقع، وتُرفع فيه راية كوردستان المستقلة عالية، كرمزٍ لتضحيات أجيالٍ لم ترضَ بالذل، وسارت بعزم نحو الحرية.