هيام حاجي احمد
في ذروة صراع إقليمي محتدم، يقف العراق على خط النار بين عواصف السياسة وضربات الجغرافيا. تتسارع الأحداث في المنطقة مع تصعيد إسرائيلي يستهدف عمق إيران وأذرعها، وقرار الولايات المتحدة في 17من أيلول 2025 بتصنيف عدد من الفصائل العراقية المرتبطة بطهران كمنظمات إرهابية، في وقت تبدو فيه بغداد عاجزة عن الإمساك بخيوط اللعبة. فالعراق اليوم يواجه ضغوطًا مزدوجة: تهديدات واشنطن وتل أبيب من الخارج، وضغوط الفصائل المسلحة من الداخل، في ظل تآكل واضح لأدوات الدولة وقدرتها على فرض سيادتها.
يتضح العجز العراقي بصورة خاصة في البعد العسكري. فالقوات الجوية تعاني من ضعف واضح نتيجة مشاكل الصيانة التي عطّلت جزءًا من أسطول طائرات F-16، في ظل غياب منظومات دفاع جوي متطورة مثل الباتريوت أو الـS-400، الأمر الذي يجعل البلاد مكشوفة أمام أي ضربات إسرائيلية أو أميركية محتملة. أما الفصائل المسلحة التي ترفع شعارات المقاومة، فإن ما تمتلكه من صواريخ قصيرة المدى وطائرات مسيرة إيرانية الصنع لا يرقى إلى مستوى منظومة دفاعية وطنية، بل يظل أقرب إلى أدوات هجومية تتحرك وفق إرادة طهران. وتتقاطع هذه الهشاشة العسكرية مع هشاشة اقتصادية مزمنة، حيث يعتمد العراق بشكل شبه كلي على عوائد النفط، مما يجعله عرضة للتقلبات الدولية وأي عقوبات محتملة.
على المستوى السياسي، يتسم موقف بغداد بازدواجية واضحة، فهي تندّد علنًا بالخروقات الإسرائيلية، لكنها في المقابل تكبح الفصائل سرًا لتجنب التصعيد. وقد ظهر هذا التناقض في القمة العربية التي انعقدت في قطر، حين قدم العراق خطابًا وحدويًا عن السيادة ورفض الاعتداءات، لكنه لم يتجاوز الطابع الرمزي. فالمواقف الأميركية تجاه القمة اتسمت بالتجاهل، فيما رأت إسرائيل أن الانقسام العربي بين مطبعين ورافضين للتطبيع جعل المخرجات بلا وزن فعلي. وفي العمق، انقسمت الدول العربية بين من التزم بالاتفاقيات القائمة مع إسرائيل مثل مصر والأردن، وبين من انخرط في مسارات التطبيع الاقتصادي والأمني مثل دول الخليج، فيما بقي العراق والجزائر وسوريا في موقع الرافض من دون امتلاك أدوات ضغط حقيقية.
أما إيران، فقد تعاملت مع العراق بواقعية محسوبة، فهي لا ترغب في فتح جبهة واسعة تُستنزف فيها فصائلها، لكنها تُبقي وجودها هناك كورقة ضغط توظفها عند الحاجة. وبذلك بقيت تهديدات الفصائل أقرب إلى الإعلام والخطاب منها إلى الفعل العسكري. وقد عبّر عن هذا الارتباط بوضوح سلام عادل، الذي يقدَّم في الإعلام العراقي بصفته محللًا سياسيًا مقربًا من بعض الفصائل المسلحة، حين صرّح في لقاء متلفز بأن:
((الحرس الثوري الإيراني صديق للشعب العراقي)) (شفق نيوز، 2025). وفي تصريح آخر أكثر إثارة للجدل، قال: إن «الحرس الثوري الإيراني مع الفصائل جاهزون لابتلاع 11 محافظة عراقية إذا ما حصل مخطط لإسقاط النظام» (شفق نيوز، 2025، وكالة أرعين نيوز، 2025). كما ذكر أن المرحلة المقبلة قد تشهد رفع العلم الإيراني فوق محافظات العراق في حال جرى أي مسعى لإسقاط النظام السياسي (المراقب العراقي، 2025). هذه التصريحات التي أثارت ردود فعل واسعة دفعت رئيس الوزراء محمد شياع السوداني إلى توجيه جهاز الأمن الوطني باتخاذ إجراءات قانونية بحقه، في محاولة للفصل بين خطاب الفصائل وخطاب الدولة الرسمية (شفق نيوز، 2025).
وفي مقابل هذا المشهد المأزوم، يبرز إقليم كوردستان كنموذج مغاير. فمنذ عام 1991، تمكّن الإقليم من بناء معادلة استقرار نسبي، مستندًا إلى قوة داخلية عبر قوات البيشمركه التي أثبتت فاعليتها في مواجهة تنظيم داعش، وإلى شبكة من العلاقات الدولية المتينة مع الولايات المتحدة وأوروبا، فضلًا عن شراكات اقتصادية وأمنية مع تركيا وفّرت له مظلة إضافية من التوازن. وبهذا النهج، استطاع الإقليم أن يعوّض ضعف قدراته الجوية بغطاء سياسي وأمني متعدد المستويات، مما جعله أشبه بواحة استقرار في محيط إقليمي مضطرب.
وهكذا، لا يكون الاستقرار نتاج الشعارات ولا محصلة القوة المجردة، بل ثمرة حنكة في إدارة التوازنات، ووعي بضرورات الشراكة وبناء الثقة. وفي ظل إقليمٍ ينجح في ترسيخ معادلاته رغم العواصف، تتجلى قيمة العقل السياسي الذي يُحسن قراءة اللحظة، ويُتقن فن الممكن، ويصوغ من التعقيد فرصة للاستقرار والبناء.