التسوية الصلحية الضريبية في النظام القانوني

جيا عبد الكريم رشيد

تمثل التسوية الصلحية الضريبية نظام قانوني يهدف الى انقضاء الخصومة الجزائية القائمة بين السلطة المالية والمخالف في جريمة تقبل فيها التسوية بشروط يحددها القانون وعلى الرغم من ذيوع التسوية الصلحية في معظم التشريعات الضريبية في الوقت المعاصر وتجلي جدواها الصلحية الا انها كانت ولم تزل مثاراً لتضادد تضارب وجهات النظر عند تقيمها وتقديرها ولقد تخلص الموقف الفقهي من التسوية الصلحية في الانقسام الى تيارين:

الاول: تصدي للتسوية ووجه سهام النقد صوبها وحاول ارجاع اصولها الى الانظمة البدائية وتجريدها من الاساس القانوني بالاضافة الى تعارضها مع القواعد المنظمة للدعوى الجزائية واخلالها بمبدأ المساواة وعدم قدرتها على تحقيق اغراض العقوبة وقد رد على الاعتراض من قبل مؤيدي التسوية.

الثاني: تجثم عنا الدفع عن التسوية الصلحية الضريبية والوقوف الى جانبها وبذل ما في وسعه من أجل اظهارها بمظهر ينسجم مع ما يتسم به القانون الضريبي من ذاتية خاصة واستقلال متميز عن بقية القوانين التي الفت التسوية الصلحية وعملت بها هذا من جهة ومن جهة اخرى فأن للتسوية الصلحية هامة تتمثل باستجابتها لمصلحة طرفيها (المكلف والسلطة المالية) مساهمة التسوية الصلحية في تخفيف العبء عن القضاء.

وشهدت المجتمعات البشرية تطورات مهمة على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والقانون كما كان لها الاثر الكبير في ظهور انماط عديدة من الجريمة لم يعد النمط التقليدي في العقاب ملائم في معالجتها الأمر الذي دفع السياسة الجزائية المعاصرة الى البحث عن البدائل نافعة لا على طابع جزائي صرف بل على طابع تقويمي او اصطلاحي يرتكز على التفاهم والتعاون ويقلل من الاعتماد على الاجراءات الجزائية التقليدية وذلك في اطار قانون يحقق الردع الخاص والعام من ناحية وحقوق المجتمع من ناحية اخرى ولعل ابرز الذي طبقت في رحابه هذه السياسة الاصلاحية هو الميدان الضريبي من خلال العمل بنظام قانوني يهدف الى انقضاء الخصومة الجزائية بين السلطة المالية والمخالف في جريمة تقبل فيها التسوية بشروط يحددها القانون هذا النظام هوه التسوية الصلحية الضريبية.

وتعد التسوية الصلحية الضريبية وسيلة متميزة وذات اهمية خاصة فهي وسيلة متميزة بسبب خضوعها لنظام قانوني يستقل بذاته ويفترق بقواعده وأحكامه عن بقية الأنظمة القانونية الاخرى القريبة منه التي تشاركه في انهاء المنازعات.

وهي وسيلة مهمة تكتسب اهميتها من المجال الذي تفعل فعلها فيه الا وهو مجال الجرائم الضريبية بكل ما تنطوي عليه من خطورة على سياسة الدولة الاقتصادية وانتهاك لحق الخزينة العامة وذلك على العكس من انواع الصلح الاخرى كعقود الصلح المدنية التي يتمثل دورها في انهاء منازعات تدور حول مصالح خاصة وتمس معاملات الافراد داخل المجتمع وكذلك الصلح المعمول به في قانون اصول المحاكمات الجزائية الذي لا يقبل الا في جرائم بسيطة تمثل فيها كفة الجانب الشخصي على الجانب الاجتماعي للحق المعتدي عليه فيها ولكن السؤال الذي يثار، هل ان اتباع النظم الضريبية للسياسة الاصلاحية الجديدة يستدل منه ان نظام الدعوى الجزائية في طريقة الى الاضمحلال في الميدان الضريبي.

بعبارة اخرى هل ان العمل بالتسوية الصلحية الضريبية سوف يؤدي الى انحسار اهمية الجزاءات العقابية واصابتها بالشلل التام؟

نعتقد ان وصول التسوية الصلحية هذه المكانة المرموقة في التشريعات الضريبية ليس من شأنه دفع الجزاءات العقابية الى التخلي عن دورها في الميدان الضريبي للتسوية العلمية تماماً بل ان الحاجة الى هذه الجزاءات تبقى قائمة ويصبح اللجوء اليها امراً لا مناص منه متى ما ثبت ان التسوية الصلحية لم تعد تنفع في تقويم سلوك المخالف وتصويب انحرافه وان العقوبات هي الوسيلة لزجره ودرء خطورته على المصلحة الضريبية.

قد يعجبك ايضا