عباس عبد الرزاق
بين الغواصات والتهديدات النووية: موسكو وواشنطن وبكين في مواجهة مفتوحة. لم يكن أحد يتوقع أن تتحول ملاسنات كلامية بين الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب والرئيس الروسي السابق ديمتري مدفيديف إلى أزمة بحرية جديدة في محيطات روسيا. لكن السياسة الدولية، كما أثبتت التجربة مرارًا، لا تعرف الخطوط الفاصلة بين الكلام والفعل؛ فكلمة واحدة قد تشعل مياهًا راكدة، وتستدعي استعراض الأساطيل.
مهلة أمريكية ورد روسي
ترامب أطلق شرارة التصعيد حين أعلن منح موسكو مهلة عشرة أيام لإنهاء الحرب الأوكرانية، بعد أن كان قد حدد سابقًا خمسين يومًا. هذا التقليص لم يكن مجرد تعديل في الأرقام، بل رسالة إنذارية تعكس رغبة في زيادة الضغط على روسيا.
مدفيديف لم يتأخر في الرد. اعتبر أن روسيا ليست إسرائيل أو إيران أو أي دولة يمكن تهديدها بمهلة زمنية، مشددًا على أن بلاده قوة نووية لا تخضع للابتزاز. وهنا خرج الخلاف من نطاق الدبلوماسية الناعمة إلى حرب كلامية صريحة.
من التصريحات إلى البحار
رد ترامب على تحدي مدفيديف بإصدار أوامر لنشر غواصتين أمريكيتين قرب المياه الروسية. خطوة تحمل أكثر من معنى: استعراض للقوة، اختبار لرد موسكو، وإشارة إلى أن التهديدات لن تبقى حبيسة البيانات.
موسكو لم تتحرك منفردة، بل استعانت بحليفها الشرقي. فبالتعاون مع الصين، أطلقت مناورات بحرية مشتركة في بحر اليابان تحت اسم ((التفاعل البحري 2025)). شاركت فيها سفن روسية مضادة للغواصات ومدمرات صينية، لتكون بمثابة أول رد عملي على نشر الغواصات الأمريكية. الرسالة واضحة: موسكو وبكين معًا في مواجهة الضغط الأمريكي.
هذه التطورات تكشف ثلاثة مستويات متداخلة:
• روسي– أمريكي: واشنطن تضغط عبر البحر، وروسيا ترد بالتذكير بترسانتها النووية.
• روسي– صيني: التنسيق العسكري مع بكين لم يعد مجرد شعار سياسي بل ممارسة ميدانية.
• دولي: التوتر تجاوز حدود أوكرانيا ليمتد إلى البحار الشرقية، في إشارة إلى أن خطوط المواجهة آخذة في الاتساع.
السيناريوهات المحتملة
1- استمرار الاستعراض العسكري دون مواجهة مباشرة. هذا هو السيناريو الأكثر ترجيحًا، إذ ستبقى الغواصات الأمريكية والمناورات الروسية–الصينية مجرد رسائل متبادلة، هدفها الضغط النفسي والسياسي أكثر من خوض معركة حقيقية. فالتكلفة الباهظة لأي مواجهة مباشرة تجعل الجميع يكتفي باستعراض القوة.
2- تصعيد تدريجي نحو سباق تسلّح بحري جديد. قد يدفع نشر الغواصات الأمريكية موسكو إلى تعزيز وجودها في المحيط الهادئ والبحر الأسود، فيما ترد واشنطن بمزيد من الانتشار العسكري. هذا التصعيد البارد يعيد مشهد الحرب الباردة البحرية لكن بوجوه جديدة تضم الصين كطرف فاعل.
3- انزلاق غير محسوب إلى مواجهة محدودة خطر حدوث احتكاك مباشر (كاصطدام سفينة أو رصد خاطئ لغواصة) يظل قائمًا. مثل هذه الحوادث قد تشعل مواجهة موضعية تتحول سريعًا إلى أزمة عالمية، خصوصًا في ظل الخطاب المتشنج من كلا الجانبين.
4- انفتاح دبلوماسي مفاجئ
ورغم صعوبة هذا الاحتمال في المدى القريب، إلا أن التوتر الشديد قد يدفع أطرافًا ثالثة (مثل أوروبا أو حتى الصين نفسها) إلى لعب دور الوسيط لإعادة ضبط الإيقاع، خشية فقدان السيطرة على التوازن الدولي.
بين الخطاب الناري والرسائل العسكرية، يبدو أن البحار المحيطة بروسيا تحولت إلى مختبر مفتوح لإرادة القوى العظمى. لكن المسألة الأعمق تكمن في هشاشة النظام الدولي الراهن: كلمة غير محسوبة من ترامب، أو تهديد نووي من مدفيديف، قد تكون كافية لتغيير اتجاه الأحداث من مجرد مناورات بحرية إلى أزمة كبرى تهدد الأمن العالمي