حسو هورمي
على مدى العقود الخمسة الماضية، واجه الشعب الكوردستاني في العراق سلسلة من الجرائم المروّعة التي تركت ندوباً عميقة في الذاكرة الجمعية وأثّرت بشكل كبير على الواقع السياسي والاجتماعي. فقد نفّذ نظام البعث حملات الإبادة المعروفة بالأنفال التي استهدفت القرى والبلدات الكوردية عبر القتل الجماعي والتهجير القسري. كما تعرض الكورد الفيليون لعمليات تهجير قسري وتجريد من الجنسية ومصادرة الممتلكات. وفي عام 1988، ضُربت مدينة حلبجة بالأسلحة الكيمياوية في جريمة هزّت ضمير العالم وأصبحت رمزاً لمعاناة الكورد. وبعد سقوط النظام، تكررت المأساة مع صعود تنظيم داعش الإرهابي، الذي ارتكب فظائع ضد الأقلية الدينية الإيزيدية في سنجار بتاريخ 3 آب/أغسطس 2014، في مشهد أعاد إلى الأذهان صور الإبادة الجماعية.
هذه الجرائم بمختلف أشكالها لم تستهدف مجموعة محددة فحسب، بل أصابت النسيج الكوردستاني كله – المسلمين والمسيحيين والإيزيديين والكاكائيين والشبك وغيرهم – ووضعت المجتمع أمام تحديات وجودية لا تزال آثارها قائمة. ومع ذلك، بقي الخطاب الكوردستاني الموجّه إلى العالم، وخاصة إلى أوروبا، يراوح بين عرض المظلومية والسعي إلى التعاطف من جهة، والمطالبة بالعدالة الدولية من جهة أخرى. إلا أن هذا النهج كثيراً ما أُسيء فهمه أو تم تفسيره على أنه خطاب استعطاف، مما أضعف تأثيره في بناء تحالفات استراتيجية طويلة الأمد.
سوف أركز في هذا المقال على الخطاب الكوردستاني في أوروبا، كوني أعيش في هولندا منذ أكثر من 25 عاماً وأمارس النشاط المدني واللوبي فيها، وأنا قريب من مراكز القرار الأوروبي في البرلمان الأوروبي. كما أنني مشارك فعّال في نشاطات الأمم المتحدة (في نيويورك وجنيف وفيينا) عبر المؤسسة الإيزيدية الدولية لمناهضة الإبادة الجماعية التي تحمل المركز الاستشاري في الأمم المتحدة، الأمر الذي منحني دراية بكيفية التفكير الأوروبي والأممي على حد سواء، وآليات السياسات وبناء اللوبيات النشطة والفعّالة.
إشكالية الخطاب الحالي
الخطاب الرسمي للحكومة الكوردستانية وشبه الرسمي للمنظمات المدنية يُنظر إليه من قبل البعض على أنه يعتمد بشكل مفرط على إظهار المعاناة والضحايا، مع التركيز على طلب الدعم الدولي دون تقديم رؤية واضحة لبناء قوة ذاتية. هذا النمط جعل الصوت الكوردستاني يبدو وكأنه يعتمد بشكل كبير على الخارج بدلاً من استثمار إمكاناته الداخلية.
في المقابل، يرى مؤيدو هذا النهج أنه يعكس واقعاً حتمياً في ظل اختلال موازين القوى الإقليمية، حيث يصبح البحث عن دعم دولي خياراً استراتيجياً لا مفر منه. كما أن استخدام أدوات حقوق الإنسان والدبلوماسية الدولية يُعد وسيلة مشروعة لإيصال قضية عادلة إلى الرأي العام وصنّاع القرار الدولي.
لكن بين هذين الرأيين، تبرز مقاربة ثالثة أكثر توازناً، تقترح أن الخطاب الكوردستاني يمكن أن يكون مزيجاً بين عرض القضية العادلة عبر القنوات الدبلوماسية والاستفادة من الفرص الدولية، مع تعزيز روح الشراكة الحقيقية التي تُظهر الشعب الكوردستاني كشريك في المصالح المشتركة، لا مجرد ضحية.
تشخيص من الداخل: أين تكمن المشكلة؟
1. فجوة الاستراتيجية: الخطاب الحالي يفتقد إلى استراتيجية سياسية طويلة المدى، فيبدو أحياناً كرد فعل على الأحداث لا كجزء من رؤية متكاملة.
2. ثقافة العمل الجماعي: تعاني المؤسسات الكوردستانية من التنافس الداخلي والانقسام، ما يضعف قدرتها على التأثير في بروكسل حيث يتطلب النجاح تنسيقاً عالياً.
3. قصور في المهنية: مقارنة بلوبيات ناجحة مثل الإسرائيلية أو الأرمينية، يظهر ضعف في المتابعة التقنية للملفات الأوروبية، تتبع التشريعات، والتحضير لبناء تحالفات مستدامة.
القوة الكامنة غير المستثمرة
• الجالية كقاعدة ضغط نشطة: الجالية الكوردستانية في أوروبا تملك وزناً انتخابياً مهماً، لكن دورها ظل أقرب إلى (الداعم الصامت). يمكن تحويلها إلى قاعدة ضغط منظمة، خاصة في الدول الاوربية.
• رأس المال البشري: الكوردستانيون في الشتات يملكون شبكات واسعة من المحامين والأكاديميين ونشطاء مدنيين ورجال الأعمال. هؤلاء إذا نُظّموا بشكل منهجي يمكن أن يشكلوا لوبي فعّال، بدلاً من الاعتماد على نشاطات رمزية أو مناسبات موسمية.
من (لوبي الضحية) إلى (لوبي الشريك الاستراتيجي)
1. إطار جديد للخطاب: التحول من التركيز على (المشكلة) إلى طرح (الحلول). الأوروبيون يبحثون عن شركاء في مكافحة التطرف، ضمان أمن الطاقة، وإدارة الهجرة.
2. اللوبي القائم على المصالح: بدلاً من الاقتصار على طلب الدعم الأخلاقي، يجب بناء شراكات مع شركات طاقة، مؤسسات أمنية، وأحزاب سياسية أوروبية على أساس المصالح المتبادلة.
3. دروس من التجربة: في عملي مع البرلمان الأوروبي والأمم المتحدة، لاحظت أن النهج الذي يربط القضية الكوردستانية بالمصالح الأوروبية يكون أكثر إقناعاً وأطول أثراً من مجرد عرض المظلومية.
توصيات عملية قابلة للتنفيذ
• خلية أزمة دائمة في بروكسل او جنيف: تضم كفاءات كوردية لمتابعة الملفات الأوروبية وصياغة مواقف منسقة.
• وثيقة استراتيجية موحدة: إعداد (أجندة كوردستانية أوروبية) مشتركة بين جميع الأحزاب والمؤسسات لتكون مرجعاً للعمل.
• استثمار المحطات الانتخابية: التحضير المسبق للانتخابات الأوروبية والوطنية في دول محورية مثل ألمانيا وهولندا والسويد ….. الخ، لتعظيم التأثير السياسي.
الخلاصة
إن الانتقال من خطاب المظلومية إلى خطاب الشراكة يمثل خطوة ضرورية لتحقيق العدالة وبناء علاقات استراتيجية مع أوروبا. القضية الكوردستانية ليست فقط جرحاً تاريخياً، بل فرصة سياسية يمكن أن تتحول إلى رصيد مشترك يخدم استقرار المنطقة وأمن أوروبا. من خلال تشخيص الثغرات الحالية، وتفعيل القوة البشرية للجالية، واعتماد خطاب قائم على المصالح والحلول، يمكن تحويل الذاكرة المؤلمة – من الأنفال وحلبجة إلى جرائم داعش – إلى قوة دافعة لبناء شراكة كوردستانية – أوروبية عادلة ومستدامة.