احمد زبير باني
شهدت محافظة دهوك في 11 أيلول 2025 حدثاً استثنائياً على مستوى إقليم كوردستان، تمثل في انعقاد أكبر ملتقى ومخيم فكري وثقافي شبابي بمشاركة أكثر من ألف شاب وشابة. تزامن هذا الحدث مع الذكرى الرابعة والستين لانطلاقة ثورة أيلول الكبرى، التي قادها الزعيم الكوردي الراحل الملا مصطفى بارزاني عام 1961.
إن هذا الملتقى لا يمكن النظر إليه كمجرد نشاط شبابي أو ثقافي، بل يحمل في بنيته أبعاداً فكرية، سياسية، وتاريخية، ترتبط بعمق بالحركة التحررية الكوردستانية وبمحاولات إعادة صياغة وعي الجيل الجديد ضمن إطار قومي وديمقراطي معاصر.
أولاً: البعد التاريخي والسياسي – ثورة أيلول وتجديد الشرعية النضالية
يمثل تنظيم هذا المخيم الفكري في ذكرى ثورة أيلول تذكيراً رمزياً بأن الموروث الثوري ليس حدثاً من الماضي، بل هو عملية مستمرة في تشكيل الهوية الكوردية. فثورة أيلول، وفق ما أكده المشاركون في كلماتهم، كانت نقطة تحول في تاريخ الحركة التحررية الكوردستانية، حيث أرست دعائم الكفاح القومي المشترك بعيداً عن الانقسامات الجغرافية أو العشائرية أو الدينية.
وعليه، فإن الملتقى يعكس محاولة لتجديد الشرعية السياسية والتاريخية للحزب الديمقراطي الكوردستاني باعتباره الامتداد المباشر لذلك الإرث النضالي.
ثانياً: البعد الفكري والثقافي – إعادة إنتاج الوعي القومي والديمقراطي
يتجاوز المخيم كونه احتفالاً بذكرى وطنية إلى كونه منصة للتربية الفكرية والسياسية للشباب. فالندوات، الحوارات، والأنشطة الفكرية التي تضمنها الملتقى تمثل آلية لإعادة إنتاج الوعي الجمعي في سياق التحولات الراهنة.
ويمكن القول إن الملتقى يسعى إلى:
1. تعزيز الهوية القومية الكوردية عبر استحضار رموز الثورة وتجارب البيشمركة.
2. ترسيخ قيم الديمقراطية والمشاركة السياسية باعتبارها من مكتسبات الحركة التحررية.
3. توجيه الطاقات الشبابية نحو العمل الوطني والفكري المنظم بعيداً عن الانجرار وراء التيارات المتطرفة أو النزعات الفردية.
ثالثاً: البعد الاجتماعي والشبابي – من التلقي إلى المشاركة الفاعلة
الحضور الكثيف للشباب – الذي تجاوز الألف مشارك – يعكس حاجة الجيل الجديد إلى فضاءات جامعة للتعبير والتفاعل. ومن زاوية سوسيولوجية، يمكن النظر إلى الملتقى كـ مؤسسة اجتماعية بديلة تساهم في ملء الفراغ الذي قد تتركه المؤسسات التقليدية (كالمدرسة أو العائلة) في مجال بناء الهوية السياسية والفكرية.
كما أن المخيم يعيد الاعتبار لفكرة أن الجيل الجديد ليس مجرد متلقٍ للتجربة الثورية، بل هو شريك في صياغة المستقبل، وذلك من خلال مساهمته في الحوارات الفكرية والأنشطة الثقافية.
رابعاً: الدلالات الاستراتيجية – الملتقى كمنصة لبناء الهوية وتجديد الشرعية
• إن تنظيم الملتقى في محافظة دهوك، التي تمثل موقعاً جغرافياً حدودياً وتاريخياً حساساً، له دلالة سياسية واضحة في التأكيد على وحدة الأرض والهوية الكوردية من زاخو حتى خانقين.
• الحضور المكثف للقيادات الحزبية يعكس أن المخيم ليس فعالية ثقافية محضة، بل جزء من استراتيجية سياسية لإعادة إنتاج الشرعية التاريخية للحزب الديمقراطي الكوردستاني في الوعي الشبابي.
• استمرار المخيم لثلاثة أيام يعكس نزعة نحو ترسيخ العمل المؤسسي والتخطيطي في المجال الثقافي والفكري بما يتجاوز الطابع الاحتفالي المؤقت.
الخاتمة – من ذاكرة الثورة إلى صناعة المستقبل الكوردي
إن الملتقى الفكري في دهوك يمثل تجربة نوعية في المزج بين الذاكرة التاريخية والمستقبل السياسي. فهو من جهة يعيد الاعتبار لثورة أيلول كحدث تأسيسي في التاريخ الكوردي المعاصر، ومن جهة أخرى يسعى إلى صياغة وعي شبابي قادر على حمل مشروع النهضة الكوردستانية في ظروف إقليمية ودولية بالغة التعقيد.
وبذلك يمكن القول إن المخيم الفكري لا يقتصر على كونه نشاطاً ثقافياً أو احتفالياً، بل هو مشروع استراتيجي يهدف إلى إعادة إنتاج الهوية الوطنية الكوردية عبر جيل جديد يجمع بين الذاكرة الثورية والآفاق الديمقراطية.