ازمة العراق اغتراب قيمي واستلاب ثقافي

نزار الربيعي

لقد تبلور ما تعرض إليه المجتمع العراقي من أزمات سابقة ولاحقة في أزمةٍ واحدة وجوهرية شملت كل أبعاد حياة المجتمع.

فصورة المشهد العراقي اليوم تمثلت بأزمةٍ هي نتاجٍ لأسبابٍ قد أخذت مأخذاً من بنية ونسيج وأواصر هذا المجتمع، إذ تمثلت أزمة العراق بتبعثر واغتراب قيمي واستلاب ثقافي، جاء كنتيجة واضحة لما مر بهِ هذا المجتمع من أزماتٍ خانقة والتي قد جعلت منه أن لم نكن نبالغ بقايا مجتمع يحاول الوثوب والنهوض من جديد.

فما نعنيه بأزمة مجتمعٍ كالعراق معناه تضافر أزمات كثيرة في أزمة قد أخذت مأخذاً منه تمثلت بكل ما يهدم أركان المجتمع العراقي.

فالأزمات العديدة التي طالت الشعب العراقي، والتي رافقت تدمير البنية التحتية بسبب الحروب والحصارات وعمليات الإفقار المستمرة، تبلورت في انهيار اجتماعي ساعد على تفكيك بنية هذا المجتمع وتحليل نسيجهِ الاجتماعي وشبكة العلاقات القرابية والقانونية، فضلاً عن مساهمتها في تحطم وتفكيك القيم والمعايير والتسبب في الانحطاط في مرافق الحياة الأخرى من تربية وتعليم وتزييف الثقافة بجميع مستوياتها.

ربما تراكم الأزمات سهّل من مهمة ضرب المجتمع العراقي الآن بهذهِ القوة. فالتركة ثقيلة وضعت بصمات واضحة على خريطة حياة هذا المجتمع.

لعل مشكلة ضعف تكوين الهوية التأريخية والوطنية من أبرز المشكلات التي ساهمت في أزمة المجتمع العراقي. فمشكلة الهوية التأريخية العراقية تكمن في فقدان الديمومة التوحيدية لهذهِ الهوية، فالتأريخ العراقي قد يبدو مقطّعاً ومجزئاً ومشتّتاً إلى عدة فترات وأجزاء، ولا يوجد رابط يربط بينها.

فلم يتم فقهٍ واضح وبوعيٍ لتأريخ المجتمع العراقي الزاخر بقيمهِ، إذ بقيت كل فترة منعزلة عن الأخرى من دون الاستفادة والتواصل مع الأخرى؛ الأمر الذي خلق هوية مجتمعية متصدعة تُعاني نقاط فراغ في العديد من أجزاء جسمها.

ربما تكون أزمة الهوية أو تأزمها هي قبل كل شيء أزمة حرية وأزمة وعي بها، وأزمة تفاهم وحوار مع الآخرين وتقبلهم، وبمعنى آخر هي أزمة مواطنة لم تتبلور ودولة لم تكتمل ويتم نضجها بعد وأزمة نظام ما زال يغتصب ويتجاوز وينتهك كل حق من حقوق المواطنين.

ومن ذلك باجتماع كل هذهِ أصاب الهوية التي يرتكز عليها المجتمع ذلك التصدع القوي والواضح؛ الأمر الذي باتت تستحق تسميتها بأنها تعاني أزمة.

في تتبع جذور أزمة الهوية العراقية نجد أن السبب الأول في الأزمة الدائمة للدولة العراقية منذ تكوينها عام 1920 وحتى الآن، هو غياب الدولة الممثلة لهوية عراقية واضحة وأصيلة، تُصهر في داخلها جميع التنوعات الدينية والطائفية واللغوية، إذ أن هذا الفهم الوطني ربما يكون هو وحده الكفيل بجعل الانتماء إلى “الهوية المشرقية” ثم “الهوية العربية” أمراً معقولاً وطبيعياً.

لقد جاء كبح وتعزيز الهوية الوطنية الموحدة كنتيجة فعلية لكون الدولة العراقية الحديثة وهيئاتها لم تعبر عن واقع البلد ولا عن تركيبتهِ الاجتماعية المتعددة، وأيضاً لم تكن سياستها العامة ذات المنحى الطائفي غير السليم مستجيبة لهذا الواقع ومتطلباتهِ، والتي طالت بأثرٍ عميق وحدة ونسيج الهوية العراقية.

أن المسألة وبشيءٍ من الدقة تُشير إلى أن قوة وصلابة الهوية العراقية تعتمد على كيفية تفعيلها من قبل واضعي الأيدي على أدارة شؤون المجتمع، فالمجتمع تُفكك هويتهِ بتفكك سياسة دولتهِ وسلوكياتها، وتنصهر الهوية بكتلةٍ قوية، أذا ما وعيت الدولة كيفية تعزيز هذهِ الهوية وزيادة صلابتها.

قد يعجبك ايضا