من وعود الشراكة إلى الثورة: قصة أيلول الكوردي

أ. د. خليل عثمان

بعد ثورة الرابع عشر من تموز 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي، شهد العراق تحولات سياسية واجتماعية كبيرة صبت في مصلحة عموم الشعب العراقي. وبالنسبة للكورد، كان الإنجاز الأبرز هو تثبيت المادة الثالثة في الدستور المؤقت، التي نصّت على أنّ “الكورد والعرب شريكان في العراق وأنّ حقوقهم القومية معترف بها في إطار عراق موحد”. كما شهدت تلك المرحلة عودة الزعيم مصطفى بارزاني من منفاه الطويل، وحصول الحزب الديمقراطي الكوردستاني على ترخيص رسمي للعمل باعتباره الممثل السياسي الوحيد للكورد.

غير أنّ هذه الشراكة لم تدم طويلاً؛ إذ سرعان ما تراجعت الحكومة عن التزاماتها، ففُصل الضباط والموظفون الكورد من وظائفهم، وأُوقفت الدراسة الكوردية في المدارس، كما حُظر طبع الكتب السياسية والأدبية في كوردستان. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل عمدت السلطة إلى استرضاء الإقطاعيين على حساب الفلاحين، ما فاقم من حالة الاحتقان.

وقف الحزب الديمقراطي الكوردستاني بصلابة في وجه هذه السياسات، خاصة بعد صدور الدستور المؤقت الذي نصّ في مادته الثانية على أنّ “العراق جزء من الأمة العربية”، الأمر الذي أثار استياءً واسعاً في الأوساط الكوردية. صحيفة “خه بات”، الناطقة باسم الحزب، نشرت مقالات ناقدة طالبت بإنهاء الأحكام العرفية وإجراء انتخابات ديمقراطية وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين. لكنّ الرد الحكومي كان إغلاق الصحيفة ومحاكمة رئيس تحريرها، وصولاً إلى اعتقال عدد من كوادر الحزب.

ورغم مساعي بارزاني للبحث عن حلول سلمية، عبر التواصل مع السوفييت وحتى بلقاء مباشر مع عبد الكريم قاسم في بغداد، فإنّ الهوة بين الجانبين اتسعت أكثر، خصوصاً مع لجوء الحكومة إلى تسليح بعض العشائر لمواجهة نفوذ الحزب في كوردستان

في محاولة أخيرة لتجنّب المواجهة، بعثت اللجنة المركزية للحزب مذكرة إلى عبدالكريم قاسم في 30 حزيران 1961 تدعو إلى إنهاء الخلافات وإعادة الاستقرار إلى كوردستان. لكنّ المذكرة جوبهت بتجاهل تام، بينما استمرت السياسات الشوفينية للحكومة. وبحلول السادس من أيلول من العام نفسه، نظّم الحزب الديمقراطي الكوردستاني إضراباً عاماً في مختلف مدن كوردستان، في خطوة عكست قوة الحزب وتأثيره الجماهيري.

إلا أنّ كل هذه المساعي لم تُثمر؛ ففي 11 أيلول 1961 شنّ الجيش العراقي قصفاً جوياً على مناطق دربندي بازيان ووادي خلكان ومحيط مدينةدهوك، ما دفع المكتب السياسي للحزب إلى اتخاذ قرار المواجهة المسلحة. وهكذا وجد الشعب الكوردي نفسه مجبراً على حمل السلاح للدفاع عن حقوقه، معلناً انطلاق ثورة أيلول التي ستشكّل لاحقاً مفصلاً أساسياً في مسيرة الحركة التحررية الكوردية.

لقد مثّلت أحداث أيلول 1961 لحظة فارقة في تاريخ العراق الحديث، إذ كشفت هشاشة الشراكة المعلنة بين العرب والكورد، وأظهرت أن غياب الضمانات الدستورية الحقيقية يجعل الوعود السياسية مجرد حبر على ورق. فالكورد الذين استبشروا خيراً بثورة تموز سرعان ما وجدوا أنفسهم أمام سياسة إقصاء وتهميش، دفعتهم إلى خوض كفاح طويل للدفاع عن وجودهم وحقوقهم. وما بين الأمس واليوم، يتكرر المشهد بأشكال مختلفة: وعود تتبخر، واتفاقات تُنقض، ومطالب تبقى معلّقة بين خطاب سياسي متذبذب وواقع يعكس استمرار معاناة شعب يسعى إلى العدالة والاعتراف الحقيقي بشراكته في الوطن.

قد يعجبك ايضا