الاستقراء عند المؤرخ والفيلسوف

الاستاذ الدكتور : نزار الربيعي

هناك علاقة وثيقة بين التاريخ والفلسفة فالمؤرخ يحتاج إلى الفلسفة ومناهجها ونظرياتها لدراسة الأحداث والمواقف التاريخية، والتمحيص والتدقيق في حوادث الماضي يحتاج إلى القدرة على فهم النشاط الإنساني وتطوره، وهذا هو محور الدراسات والنظريات الفلسفية.
كما يحتاج الفلاسفة إلى دراسة أحداث الماضي والحاضر وقياسها وفق نظريات مختلفة لوضع مناهج ونظريات يستفيد منها المجتمع في حاضره ويضع على أساسها البنيات والبرامج المستقبلية.
وبذلك يكون للمؤرخ والفيلسوف منهج موحد في طريقة استقراء الأحداث والتدقيق فيها ومن ثم استخلاص واستنباط النتائج التي تبني على أساسها النظريات والمناهج.

ومن يقرأ التاريخ يدرك أن العلماء في الماضي كانوا فلاسفة ومؤرخين في آن واحد وعلى رأسهم أرسطو طاليس فهو أول الفلاسفة الذين بنوا نظرياتهم على أساس معرفة التاريخ مما يؤكد حاجة المؤرخ إلى معرفة الفلسفة ومن قبلها مقدرة الفيلسوف على التاريخ ودراسة أحداثه بصورة دقيقة، والأحوال المحيطة بالمواقف التاريخية من أجل وضع مناهج ثابتة مستفيدة من عبر التاريخ لإنارة طريق الحاضر والمستقبل.

التاريخ في اللغة هو الإعلام بالوقت، يقال أرخت الكتاب أي بينت وقت كتابته، فالتاريخ تعريف للوقت يقال أرخت و أورخت
أما التاريخ اصطلاحاً فهو التعريف بالوقت الذي تضبط به الأحوال من مولد الرواة والأئمة ووفاة وصحة وعقل وبدن ورحلة وحج وحفظ وضبط وتوثيق وتخريج مرجعه فحص أحوالهم وحالهم، وفائدة التاريخ معرفة الأمور على وجهها الصحيح قال أبو سفيان الثوري “لما استعمل الرواة الكذب استعملت لهم التاريخ
إن نقطة البداية التي ننطلق منها لفحص علم التاريخ لأي أمة هي وظيفة التاريخ وواجب المؤرخ، وعلم التاريخ في أي مجتمع يخضع لعوامل محيطة مختلفة وتكيفه قيم فكرية تختلف موازينها من عصر إلى عصر ومن بيئة إلى بيئة أخرى.

إن الأصل التاريخي لكلمة تاريخ هي “Istoria” إستوريا الإغريقية نشأت عندما بدأت الحركة الفكرية والسياسية عند الإغريق في القرنين السادس والخامس قبل
الميلاد، وكان يقصد بهذا التعبير الأشياء الجديرة بالمعرفة كالبلاد والعادات والمؤسسات السياسية المعاصرة أو الماضية، وسرعان ما أصبحت كلمة istoria الإغريقية مقتصرة على معرفة الأحداث التي رافقت نمو هذه الظاهرة، وبذلك ولد تعبير التاريخ بمعناه الشائع وتحولت الكلمة إلى history بمرور الزمن، وأصبحت فكرة تاريخ تعني عملية تطور الإنسان حتى أصبحت فكرة التاريخ في القرن التاسع عشر هو كل شيء يمكن إدراكه، وأصبح التاريخ بهذا فكرة شاملة، وأصبح كل النشاط الإنساني هو موضع بحث التاريخ وهنا يلتقي التاريخ مع علم الفلسفة حيث كليهما يبحث في تحليل وتطور النشاط الإنساني سواء كان ثقافي أم اجتماعي أو سياسي.

وهناك الكثير من الفلاسفة والعلماء الذين اعتمدوا على التاريخ ودراسته في وضع مناهجهم ونظرياتهم فأحسنوا وأجادوا في فهم التاريخ وفهم فلسفته فبقيت كتبهم وأرائهم متداولة عبر الحقب والقرون. لم تفسدها تطاول الزمن ولا غزارة المؤلفات والكتب.

وفلسفة التاريخ لا تعوض قصور التاريخ فحسب بل أنها تعوض قصور الفلسفة أيضاً، تعاني الفلسفة من قلق دائم مصدره اشتياق الفيلسوف إلى الوصول إلى الحقيقة فهو دائب البحث عنها، ولكنه يخشي أن يضل السبيل إليه وهو محلق في عالم المجردات، وهذه لفرط تجريدها تفلت دائماً من الإنسان فلا يستطيع الإمساك بها، ومن ثم فإن فيلسوف التاريخ يلتمس ماربه من واقعية التاريخ، يشد التاريخ الفلسفة إذن حتى لا تخلق بعيداً في غير عالمنا وترتفع الفلسفة بالتاريخ حتى لا يغوص في وحل الماضي ودمائه، يلتمس التاريخ من الفلسفة الحكمة والمغزى وتلتمس الفلسفة من التاريخ الواقعية وضرب الأمثال. كلاهما يكمل في الآخر قصوراً ومن ثم كان الزواج بينهما قائماً رغم معارضة الأهل من فلاسفة ومؤرخين.

قد يعجبك ايضا